صحبة الخير
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13

{إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً }الإسراء9

يسعدنا ان تشارك معنا
صحبة الخير
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13

{إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً }الإسراء9

يسعدنا ان تشارك معنا
صحبة الخير
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

صحبة الخير

منتدي اسلامي ثقافي دعوي اجتماعي عام
 
الرئيسيةالبوابةأحدث الصورالتسجيلدخول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ
صدق الله العضيم


 

 ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محبة القران
مشرف



عدد المساهمات : 195
نقاط : 344
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 30/07/2011

ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني Empty
مُساهمةموضوع: ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني   ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني Emptyالجمعة مارس 02, 2012 4:11 pm

[size=24]ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته


الذكر وحقيقة النور الإلهي

( الفائدة السادسة والثلاثون ) أن الذكر نور للذاكر في الدنيا ونور له في قبره ونور له في معاده يسعى بين يديه على الصراط

فما استنارت القلوب والقبور بمثل ذكر الله تعالى قال الله تعالى : { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها } فالأول هو المؤمن استنار بالايمان بالله ومحبته ومعرفته وذكره والآخر هو الغافل عن الله تعالى المعرض عن ذكره ومحبته والشأن كل الشأن والفلاح كل الفلاح في النور والشقاء كل الشقاء في فواته ولهذا كان النبي صلى الله عليه و سلم يبالغ في سؤال ربه تبارك وتعالى حين يسأله أن يجعله في لحمه وعظامه وعصبه وشعره وبشره وسمعه وبصره ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله وخلفه وأمامه حتى يقول واجعلني نورا فسأل ربه تبارك وتعالى أن يجعل النور في ذراته الظاهرة والباطنة وأن يجعله محيطا به من جميع جهاته وأن يجعل ذاته وجملته نورا فدين الله عز و جل نور وكتابه نور ورسوله نور وداره التي أعدها لأوليائه نور يتلألأ وهو تبارك وتعالى نور السماوات والأرض ومن أسمائه النور وأشرقت الظلمات لنور وجهه وفي دعاء النبي صلى الله عليه و سلم يوم الطائف [ أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك أو ينزل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك ]


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

وقال أبن مسعود رضي الله عنه : ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور السماوات من نور وجهه ذكره عثمان الدارمي وقد قال تعالى : { وأشرقت الأرض بنور ربها } فإذا جاء تبارك وتعالى يوم القيامة للفصل بين عباده وأشرقت بنوره الأرض وليس إشراقها يومئذ بشمس ولا قمر فإن الشمس تكور والقمر يخسف ويذهب نورهما وحجابه تبارك وتعالى النور
قال أبو موسى : قام فينا رسول الله صلى الله عليه و سلم بخمس كلمات فقال [ إن الله لا ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ] ثم قرأ { أن بورك من في النار ومن حولها } فاستنارة ذلك الحجاب بنور وجهه ولولاه لاحرقت سبحات وجهه ونوره ما انتهى إليه بصره ولهذا لما تجلى تبارك وتعالى للجبل وكشف من الحجاب شيئا يسيرا ساخ الجبل في الأرض وتدكدك ولم يقم لربه تبارك وتعالى وهذا معنى قول أبن عباس في قوله سبحانه وتعالى : { لا تدركه الأبصار } : قال : ذلك الله عز و جل إذا تجلى بنوره لم يقم له شيء وهذا من بديع فهمه رضي الله تعالى عنه ودقيق فطنته كيف وقد دعا له رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يعلمه الله التأويل فالرب تبارك وتعالى يرى يوم القيامة بالأبصار عيانا ولكن يستحيل إدراك الأبصار له وأن رأته فالادراك أمر وراء الرؤية وهذه الشمس ـ ولله المثل الأعلى ـ نراها ولا ندركها كما هي عليه ولا قريبا من ذلك ولذلك قال ابن عباس لمن سأله وأورد عليه { لا تدركه الأبصار } فقال : ألست ترى السماء ؟ قال : بلى قال : أفتدركها ؟ قال : لا قال : فالله تعالى أعظم وأجل


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache




وقد ضرب سبحانه وتعالى النور في قلب عبده مثلا لا يعقله إلا العالمون فقال سبحانه وتعالى : { الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم } قال أبي بن كعب : مثل نوره في قلب المسلم

ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

وهذا هو النور الذي أودعه في قلبه من معرفته ومحبته والايمان به وذكره وهو نوره الذي أنزله إليهم فأحياهم به وجعلهم يمشون به بين الناس وأصله في قلوبهم ثم تقوى مادته فتتزايد حتى يظهر على وجوههم وجوارحهم وأبدانهم بل ثيابهم ودورهم يبصره من هو من جنسهم وسائر الخلق له منكر فإذا كان يوم القيامة برز ذلك النور وصار بإيمانهم يسعى بين أيديهم في ظلمة الجسر حتى يقطعوه وهم فيه على حسب قوته وضعفه في قلوبهم في الدنيا فمنهم من نوره كالشمس وآخر كالقمر وآخر كالنجوم وآخر كالسراج وآخر يعطي نورا على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ أخرى إذا كانت هذه حال نوره في الدنيا فأعطى على الجسر بمقدار ذلك بل هو نفس نوره ظهر له عيانا ولما لم يكن للمنافق نور ثابت في الدنيا بل كان نوره ظاهرا لا باطنا أعطى نورا ظاهرا مآله إلى الظلمة والذهاب


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

وضرب الله عز و جل لهذا النور ومحله وحامله ومادته مثلا بالمشكاة وهي الكوة في الحائط فهي مثل الصدر وفي تلك المشكاة زجاجة من أصفى الزجاج وحتى شبهت بالكوكب الدري في بياضه وصفائه وهي مثل القلب وشبه بالزجاجة لأنها جمعت أوصافا هي في قلب المؤمن وهي الصفاء والرقة فيرى الحق والهدى بصفائه وتحصل منه الرأفة والرحمة والشفقة برقته ويجاهد أعداء الله تعالى ويغلظ عليهم ويشتد في الحق ويصلب فيه بصلابته ولا تبطل صفة منه صفة أخرى ولا تعارضها بل تساعدها وتعاضدها { أشداء على الكفار رحماء بينهم } وقال تعالى : { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } وقال تعالى : { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم } وفي اثر القلوب آنية الله تعالى في أرضه فأحبها إليه وأرقها وأصلبها وأصفاها وبازاء هذا القلب قلبان مذمومان في طرفي نقيض :

أحدهما : قلب حجري قاس لا رحمة فيه ولا إحسان ولا بر ولا له صفاء يرى به الحق بل هو جبار جاهل : لا علم له بالحق ولا رحمة للخلق

وبإزائه قلب ضعيف مائي لا قوة فيه ولا استمساك بل يقبل كل صورة وليس له قوة حفظ تلك الصور ولا قوة التأثير في غيره وكل ما خالطه أثر فيه من قوي وضعيف وطيب خبيث

ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

وفي الزجاجة مصباح وهو النور الذي في الفتيلة وهي حاملته ولذلك النور مادة وهو زيت قد عصر من زيتونة في أعدل الأماكن تصيبها الشمس أول النهار وآخره فزيتها من أصفى الزيت وأبعده من الكدر حتى إنه ليكاد من صفائه يضيء بلا نار فهذه مادة نور المصباح

وكذلك مادة نور المصباح الذي في قلب المؤمن هو من شجرة الوحي التي هي أعظم الأشياء بركة وأبعدها من الانحراف بل هي أوسط الأمور وأعدلها وأفضلها لم تنحرف انحراف النصرانية ولا انحراف اليهودية بل هي وسط بين الطرفين المذمومين في كل شيء فهذه مادة مصباح الإيمان في قلب المؤمن

ولما كان ذلك الزيت قد اشتد صفاؤه حتى كاد أن يضيء بنفسه ثم خالط النار فاشتدت بها اضاءته وقويت مادة ضوء النار به كان ذلك نورا على نور وهكذا المؤمن قلبه مضيئ يكاد يعرف الحق بفطرته وعقله ولكن لا مادة له من نفسه فجاءت مادة الوحي فباشرت قلبه وخالطت بشاشته فازداد نورا بالوحي على نوره الذي فطره الله تعالى عليه فاجتمع له نور الوحي إلى نور الفطرة نور على نور فيكاد ينطق بالحق وإن لم يسمع فيه أثر ثم يسمع الأثر مطابقا لما شهدت به فطرته فيكون نورا على نور فهذا شأن المؤمن يدرك الحق بفطرته مجملا ثم يسمع الأثر جاء به مفصلا فينشأ إيمانه عن شهادة الوحي والفطرة

فليتأمل اللبيب هذه الآية العظيمة ومطابقتها لهذه المعاني الشريفة فذكر سبحانه وتعالى نوره في السموات والأرض ونوره في قلوب عباده المؤمنين النور المعقول المشهود بالبصائر والقلوب والنور المحسوس المشهود بالأبصار الذي استنارت به أقطار العالم العلوي والسفلي فهما نوران عظيمان أحدهما أعظم من الآخر وكما أنه إذا فقد أحدهما من مكان أو موضع لم يعش فيه آدمي ولا غيره لأن الحيوان إنما يتكون حيث النور ومواضع الظلمة التي لا يشرق عليها نور لا يعيش فيها حيوان ولا يتكون البته فكذلك أمة فقد فيها نور الوحي والإيمان ميتة وقلب فقد منه هذا النور ميت ولا بد لا حياة له البتة كما لا حياة للحيوان في مكان لا نور فيه

ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

والله سبحانه وتعالى يقرن بين الحياة والنور كما في قوله عز و جل { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها } وكذلك قوله عز و جل { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا } وقد قيل إن الضمير في ( جعلناه ) عائد إلى الأمر وقيل إلى الكتاب وقيل إلى الإيمان والصواب أنه عائد إلى الروح أي جعلنا ذلك الروح الذي أوحيناه إليك نورا فسماه روحا لما يحصل به من الحياة وجعله نورا لما يحصل به الاشراق والاضاءة وهما متلازمان فحيث وجدت هذه الحياة بهذا الروح وجدت الاضاءة والاستنارة وحيث وجدت الاستنارة والاضاءة وجدت الحياة فمن لم يقبل هذا الروح فهو ميت مظلم كما أن المائي والناري لما يحصل بالماء من الحياة وبالنار من الاشراق والنور كما ضرب ذلك في أول سورة البقرة في قوله تعالى : { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون } وقال : { ذهب الله بنورهم } ولم يقل بنارهم لأن النار فيها الاحراق

ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

وكذلك حال المنافقين : ذهب نور إيمانهم بالنفاق وبقي في قلوبهم حرارة الكفر والشكوك والشبهات تغلي في قلوبهم قلوبهم قد صليت بحرها وأذاها وسمومها ووهجها في الدنيا فأصلاها الله تعالى إياها يوم القيامة نارا موقدة تطلع على الأفئدة فهذا مثل من لم يصحبه نور الإيمان في الدنيا بل خرج منه وفارقه بعد أن استضاء به وهو حال المنافق عرف ثم أنكر وأقر ثم جحد فهو في ظلمات أصم أبكم أعمى كما قال تعالى في حق إخوانهم من الكفار { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات } وقال تعالى : { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون } وشبه تعالى حال المنافقين في خروجهم من النور بعد أن أضاء لهم بحال مستوقد النار وذهاب نورها عنه بعد أن أضاءت ما حوله لأن المنافقين بمخالطتهم المسلمين وصلاتهم معهم وصيامهم معهم وسماعهم القرآن ومشاهدتهم أعلام الإسلام ومناره قد شاهدوا الضوء ورأوا النور عيانا ولهذا قال تعالى في حقهم { فهم لا يرجعون } إليه لأنهم فارقوا الإسلام بعد أن تلبسوا به واستناروا فهم لا يرجعون إليه


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

وقال تعالى في حق الكفار { فهم لا يعقلون } لأنهم لا يعقلوا الإسلام ولا دخلوا فيه ولا استناروا به ولا يزالون في ظلمات الكفر صم بكم عمي سبحان من جعل كلامه لأدواء الصدور شافيا وإلى الإيمان وحقائقه مناديا وإلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم داعيا وإلى الطريق الرشاد هاديا لقد أسمع منادي الإيمان لو صادف آذانا واعية وشفت مواعظ القرآن لو وافقت قلوبا خالية ولكن عصفت على القلوب أهوية الشبهات والشهوات فأطفأت مصابيحها وتمكنت منها أيدي الغفلة والجهالة فأغلقت أبواب رشدها وأضاعت مفاتيحها وران عليها كسبها فلم ينفع فيها الكلام وسكرت بشهوات الغي وشهادة الباطل فلم تصغ بعده إلى الملام ووعظت بمواعظ أنكى فيها الأسنة والسهام ولكن ماتت في بحر الجهل والغفلة وأسر الهوى والشهوة وما لجرح بميت إيلام


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

والمثل الثاني قوله تعالى : { أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين } الصيب المطر الذي يصوب من السماء أي ينزل منها بسرعة وهو مثل القرآن الذي به حياة القلوب كالمطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان فأدرك المؤمنين ذلك منه وعلموا ما يحصل به من الحياة التي لا تخطر لها فلم يمنعهم منها ما فيه من الرعد والبرق وهو الوعيد والتهديد والعقوبات والمثلات التي حذر الله بها من خالف أمره وأخبر أنه منزلها بمن كذب رسول الله صلى الله عليه و سلم أو ما فيه من الأوامر الشديدة كجهاد الأعداء والصبر على الأمر أو الأوامر الشاقة على النفوس التي هي بخلاف إرادتها فهي كالظلمات والرعد والبرق ولكن من علم مواقع الغيث وما يحصل به من الحياة لم يستوحش لما معه من الظلمة والرعد والبرق بل يستأنس لذلك ويفرح به لما يرجو من الحياة والخصب


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

وأما المنافق فإنه عمي قلبه لم يجاوز بصره الظلمة ولم ير إلا برقا يكاد يخطف البصر ورعدا عظيما وظلمة فاستوحش من ذلك وخاف منه فوضع أصابعه في أذنيه لئلا يسمع صوت الرعد وهاله ذلك البرق وشدة لمعانه وعظم نوره فهو خائف أن يختطف معه بصره لأن بصره أضعف من أن يثبت معه فهو في ظلمة يسمع أصوات الرعد القاصف ويرى ذلك البرق الخاطف فإن أضاء له ما بين يديه مشى في ضوئه وأن فقد الضوء قام متحيرا لا يدري أين يذهب ولجهله لا يعلم أن ذلك من لوازم الصيب الذي به حياة الأرض والنبات وحياته هو في نفسه بل لا يدرك إلا رعدا وبرقا وظلمة ولا شعور له بما وراء ذلك فالوحشة لازمة له والرعب والفزع لا يفارقه وأما من أنس بالصيد وعلم أنه لا بد فيه من رعد وبرق وظلمة بسبب الغيم أستأنس بذلك ولم يستوحش منه ولم يقطعه ذلك عن أخذه بنصيبه من الصيب


فهذا مثل مطابق للصيب الذي نزل به جبريل صلى الله عليه و سلم من عند رب العالمين تبارك وتعالى على قلب رسول الله صلى الله عليه و سلم ليحيي به القلوب والوجود أجمع اقتضت حكمته أن يقارنه من الغيم والرعد والبرق ما يقارن الصيب من الماء حكم بالغة وأسبابا منتظمة نظمها العزيز الحكيم فكان حظ المنافق من ذلك الصيب سحابه ورعوده وبروقه فقط لم يعلم ما وراءه فاستوحش بما أنس المؤمنين وارتاب بما اطمأن به العالمون وشك فيما يتقيه المبصرون العارفون فبصره في المثل الناري كبصر الخفاش نحو الظهيرة وسمعه في المثل المائي كسمع من يموت من صوت الرعد وقد ذكر عن بعض الحيوانات أنها تموت من سمع الرعد

وإذا صادف هذه العقول والأسماع والأبصار شبهات شيطانية وخيالات فاسدة وظنون كاذبة حالت فيها وصالت وقامت بها وقعدت واتسع فيها مجالها وكثر بها قيلها وقالها فملأت الأسماع من هذيانها والأرض من دواوينها وما أكثر المستجيبين لهؤلاء والقابلين منهم والقائمين بدعوتهم والمحامين عن حوزتهم والمقاتلين تحت ألويتهم والمكثرين لسوادهم ولعموم البلية هم وضرر القلوب بكلامهم هتك الله أستارهم في كتابه غاية الهتك وكشف أسرارهم غاية الكشف وبين علاماتهم وأعمالهم وأقوالهم ولم يزل عز و جل يقول : ( ومنهم ومنهم ومنهم ) حتى انكشف أمرهم وبانت حقائقهم وظهرت أسرارهم
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في أول سورة البقرة أوصاف المؤمنين والكفار والمنافقين فذكر في أوصاف المؤمنين ثلاث آيات وفي أوصاف الكفار آيتين وفي أوصاف هؤلاء بضع عشرة آية لعموم الابتلاء بهم وشدة المصيبة بمخالطتهم فإنهم من الجلدة مظهرون الموافقة والمناصرة بخلاف الكافر الذي قد تأبد بالعداوة وأظهر السريرة ودعا لك بما أظهره إلى مزايلته ومفارقته


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

ونظير هذين المثلين المذكورين في سورة الرعد في قوله تعالى : { أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا } فهذا هو المثل المائي شبه الوحي الذي أنزله بحياة القلوب بالماء الذي أنزله من السماء وشبه القلوب الحاملة له بالأودية الحاملة للسيل فقلب كبير يسع علما عظيما كواد كبير يسع ماء كثيرا وقلب صغير كواد صغير يسع علما قليلا فحملت القلوب من هذا العلم بقدرها كما سالت الأودية بقدرها ولما كانت الأودية ومجاري السيول فيها الغثاء ونحوه مما يمر عليه السيل فيحتمله السيل فيطفوا على وجه الماء زبدا عاليا يمر عليه متراكبا ولكن تحته الماء الفرات الذي به حياة الأرض فيقذف الوادي ذلك الغثاء إلى جنبتيه حتى لا يبقى الماء الذي تحت الغثاء يسقي الله تعالى به الأرض فيحيي به البلاد والعباد والشجر والدواب والغثاء يذهب جفاء يجفي ويطرح على شفير الوادي
فكذلك العلم والإيمان الذي أنزله في القلوب فاحتملته فأثار منها بسبب مخالطته لها ما فيها من غثاء الشهوات وزبد الشبهات الباطلة يطفو في أعلاها واستقر العلم والإيمان والهدى في جذر القلب فلا يزال ذلك الغثاء والزبد يذهب جفاء ويزول شيئا فشيئا حتى يزول كله ويبقى العلم النافع والإيمان الخالص في جذر القلب يرده الناس فيشربون ويسقون ويمرعون


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

وفي الصحيح من الحديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ مثل ما بعثني الله تعالى به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها طائفة أجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدي الله الذي أرسلت به ] فجعل النبي صلى الله عليه و سلم الناس بالنسبة إلى الهدي والعلم ثلاث طبقات


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( الطبقة الأولى ) ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهم الذين قاموا بالدين علما وعملا ودعوة إلى الله عز و جل ورسوله صلى الله عليه و سلم فهؤلاء أتباع الرسل ـ صلوات الله عليهم وسلامه ـ حقا وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زكت فقبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير فزكت في نفسها وزكا الناس بها وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين والقوة على الدعوة ولذلك كانوا ورثة الأنبياء صلى الله عليهم وسلم الذين قال تعالى فيهم { واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار } [ أي ] البصائر في دين الله عز و جل فبالبصائر يدرك الحق ويعرف وبالقوى يتمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ والفهم في الدين والبصر بالتأويل ففجرت من النصوص أنهار العلوم واستنبطت منها كنوزها ورزقت فيها فهما خاصا كما قال أمير المؤمنين على أبن أبي طالب ـ وقد سئل : هل خصكم رسول الله صلى الله عليه و سلم بشيء دون الناس ؟ فقال : ـ لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه

فهذا الفهم هو بمنزلة الكلأ والعشب الكثير الذي أنبتته الأرض وهو الذي تميزت به هذه الطبقة عن


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( الطبقة الثانية ) فإنها حفظت النصوص وكان همها حفظها وضبطها فوردها الناس وتلقوها منهم فاستنبطوا منها واستخرجوا كنوزها واتجروا فيها وبذروها في أرض قابلة للزرع والنبات ووردها كل بحسبه { قد علم كل أناس مشربهم } وهؤلاء هم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه و سلم [ نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ] وهذا عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن مقدار ما سمع من النبي صلى الله عليه و سلم لم يبلغ نحو العشرين حديثا الذي يقول فيه سمعت ورأيت وسمع الكثير من الصحابة وبورك في فهمه والاستباط منه حتى ملأ الدنيا علما وفقها قال أبو محمد بن حزم : وجمعت فتاويه في سبعة أسفار كبار وهي بحسب ما بلغ جامعها وإلا فعلم أبن عباس كالبحر وفقه واستنباطه وفهمه في القرآن بالموضع الذي فاق به الناس وقد سمع كما سمعوا وحفظ القرآن كما حفظوا ولكن أرضه كانت من أطيب الأراضي وأقبلها للزرع فبذر فيها النصوص فأنبتت من كل زوج كريم { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم } وأين تقع فتاوى أبن عباس وتفسيره واستنباطه من فتاوى أبي هريرة وتفسيره ؟ وأبو هريرة أحفظ منه بل هو حافظ الأمة على الإطلاق يؤدي الحديث كما سمعه ويدرسه بالليل درسا فكانت همته مصروفة إلى الحفظ وبلغ ما حفظه كما سمعه وهمة ابن عباس مصروفة إلى التفقه والاستنباط وتفجير النصوص وشق الأنهار منها واستخراج كنوزها


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

وهكذا الناس بعده قسمان
( قسم حفاظ ) معتنون بالضبط والحفظ والأداء كما سمعوا ولا يستنبطون ولا يستخرجون كنوز ما حفظوه وقسم معتنون بالاستنباط واستخراج الأحكام من النصوص والتفقه فيها فالأول كأبي زرعة وأبي حاتم وابن دارة وقبلهم كبندار ومحمد بن بشار وعمرو الناقد وعبد الرزاق وقبلهم كمحمد بن جعفر غندر وسعيد بن أبي عروية وغيرهم من أهل الحفظ والاتقان والضبط لما سمعوه من غير استنباط وتصرف وأستخراج الأحكام من ألفاظ النصوص



( والقسم الثاني ) كمالك والشافعي والاوزاعي وإسحق والإمام أحمد بن حنبل والبخاري وأبي داود ومحمد بن نصر المروزي ـ وأمثالهم ممن جمع الاستنباط والفقه إلى الرواية ـ فهاتان الطائفتان هما أسعد الخلق بما بعث الله تعالى به رسوله صلى الله عليه و سلم وهم الذين قبلوه ورفعوا به رأسا

ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

وأما ( الطائفة الثالثة ) ـ وهم أشقى الخلق الذين لم يقبلوا هدي الله ولم يرفعوا به رأسا ـ فلا حفظ ولا فهم ولا رواية ولا دراية ولا رعاية

( فالطبقة الأولى ) أهل رواية ودارية

( والطبقة الثانية ) أهل رواية ورعاية ولهم نصيب من الدراية بل حظهم من الرواية أوفر

( والطبقة الثالثة ) الأشقياء لا رواية ولا دراية ولا رعاية { إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا } فهم الذين يضيقون الديار ويغلون الأسعار إن همة أحدهم إلا بطنه وفرجه فإن ترقت همته كان همه ـ مع ذلك ـ لباسه وزينته فإن ترقت همته فوق ذلك كان همه في الرياسة والانتصار للنفس الغضبية فإن ارتفعت همته عن نصرة النفس [ الغضبية كان همه في نصرة النفس ] الكلبية فلم يعطها إلى نصرة النفس السبعية فلم يعطها أحد من هؤلاء فإن النفوس كلبية وسبعية وملكية
فالكلبية تقنع بالعظم والكسرة والجيفة والقذرة والسبعية لا تقنع بذلك بل بقهر النفوس تريد الاستيلاء عليها بالحق والباطل وأما الملكية فقد ارتفعت عن ذلك وشمرت إلى الرفيق الأعلى فهمتها العلم والإيمان ومحبة الله تعالى والإنابة إليه وإيثار محبته ومرضاته وإنما تأخذ من الدنيا ما تأخذ من لتستعين به على الوصول إلى فاطرها وربها ووليها لا لتنقطع به عنه
ثم ضرب سبحانه وتعالى مثلا ثانيا وهو المثل الناري فقال : { ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله } وهذا كالحديد والنحاس والفضة والذهب وغيرها فإنها تدخل الكير لتمحص وتخلص من الخبث فيخرج خبثها فيرمى به ويطرح ويبقى خالصها فهو الذي ينفع الناس

ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

ولما ضرب الله سبحانه وتعالى هذين المثلين ذكر حكم من استجاب له ورفع بهداه رأسا وحكم من لم يستجب له ولم يرفع بهداه رأسا فقال : { للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد } والمقصود أن الله تعالى جعل الحياة حيث النور والموت حيث الظلمة فحياة الوجودين الروحي والجسمي بالنور وهو مادة الحياة كما أنه مادة الإضاءة فلا حياة بدونه كما لا إضاءة بدونه وكما به حياة القلب فيه انفساحه وانشراحه وسعته كما في الترمذي [ عن النبي صلى الله عليه و سلم إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح قالوا : وما علامة ذلك ؟ قال الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله ]


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

ونور العبد هو الذي يصعد عمله وكلمه إلى الله تعالى فإن الله تعالى لا يصعد إليه من الكلم إلا الطيب وهو نور ومصدر عن النور ولا من العمل إلا الصالح ولا من الارواح إلا الطيبة وهي أرواح المؤمنين التي استنارت بالنور الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه و سلم والملائكة الذين خلقوا من نور كما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها [ وعن النبي صلى الله عليه و سلم قال خلقت الملائكة من نور وخلقت الشياطين من نار وخلق آدم مما وصف لكم ] فلما كانت مادة الملائكة من نور كانوا هم الذين يعرجون إلى ربهم تبارك وتعالى وكذلك أرواح المؤمنين هي التي تعرج إلى ربها وقت قبض الملائكة لها فيفتح لها باب السماء الدنيا ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة إلى أن ينتهي بها إلى السماء السابعة فتوقف بين يدي الله عز و جل ثم يأمر أن يكتب كتابه في أهل عليين فلما كانت هذه الروح روحا زاكية طيبة نيرة مشرقة صعدت إلى الله عز و جل مع الملائكة وأما الروح المظلمة الخبيثة الكدرة فإنها لا تفتح لها أبواب السماء ولا تصعد إلى الله تعالى بل ترد من السماء الدنيا إلى عالمها ومحتدها لأنها أرضية سفلية والأولى علوية سمائية فرجعت كل روح إلى عنصرها وما هي منه وهذا منه مبين في حديث البراء بن عازب الطويل الذي رواه الامام أحمد وأبو عوانة الاسفرائيني في صحيحه والحاكم وغيرهم وهو حديث صحيح


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

والمقصود أن الله عز و جل لا يصعد إليه من الأعمال والأقوال والأرواح إلا ما كان منها نورا أقربهم إليه وأكرمهم عليه وفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه و سلم [ أن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة وألقى عليهم من نوره فمن أصاب من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقوال : جف القلم على علم الله تعالى ] وهذا الحديث العظيم أصل من أصول الإيمان وينفتح به باب عظيم من أبواب سر القدر وحكمته والله تعالى الموفق

وهذا النور الذي ألقاه عليهم سبحانه وتعالى هو الذي أحياهم وهداهم فأصابت الفطرة منه حظها ولكن لما لم يستقل بتمامه وكماله أكمله لهم وأتمه بالروح الذي ألقاه على رسله عليهم الصلاة والسلام والنور الذي أوحاه إليهم فأدركته الفطرة بذلك النور السابق الذي حصل لها يوم إلقاء النور فانضاف نور الوحي والنبوة إلى نور الفطرة نور على نور فأشرقت منه القلوب واستنارت به الوجوه وحييت به الأرواح وأذعنت به الجوارح للطاعات طوعا واختيارا فازدادت به القلوب الصفات العليا الذي يضمحل فيه كل نور سواء فشاهدته ببصائر الإيمان مشاهدة نسبتها إلى القلب نسبة المرئيات إلى العين ذلك لاستيلاء اليقين عليها وانكشاف حقائق الإيمان لها حتى كأنها تنظر إلى عرش الرحمن تبارك وتعالى بارزا وإلى استوائه عليه كما أخبر به سبحانه وتعالى في كتابه وكما أخبر به عنه رسوله صلى الله عليه و سلم يدبر أمر الممالك ويأمر وينهي ويخلق ويرزق ويميت ويحي ويقضي وينفذ ويعز ويذل ويقلب الليل والنهار ويداول الأيام بين الناس ويقلب الدول فيذهب بدولة ويأتي بأخرى والرسل من الملائكة عليهم الصلاة والسلام بين صاعد إليه بالأمر ونازل من عنده به وأوامره ومراسيمه متعاقبة على تعاقب الآيات نافذة بحسب إرادته فما شاء كما شاء في الوقت الذي يشاء على الوجه الذي يشاء من غير زيادة ولا نقصان ولا تقدم ولا تأخر وأمره وسلطانه نافذ في السماوات وأقطارها وفي الأرض وما عليها وما تحتها وفي البحار والجو وفي سائر أجزاء العالم وذراته يقلبها ويصرفها ويحدث فيها ما يشاء وقد أحاط بكل شئ علما

وأحصى كل شئ عددا ووسع كل شئ رحمة وحكمة ووسع سمعه الأصوات فلا تختلف عليه ولا تشتبه عليه بل يسمع ضجيجها باختلاف لغاتها على كثرة حاجاتها لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه كثرة المسائل ولا يتبرم بإلحاح ذوي الحاجات وأحاط بصره بجميع المرئيات فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء فالغيب عنده شهادة والسر عنده علانية يعلم السر وأخفى من السر فالسر ما انطوى عليه ضمير العبد وخطر بقلبه ولم تتحرك به شفتاه وأخفى منه ما لم يخطر بعد فيعلم أنه سيخطر بقلبه كذا وكذا في وقت كذا وكذا له الخلق والأمر وله الملك والحمد وله الدنيا والآخرة وله النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن له الملك كله وله الحمد كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله شملت قدرته كل شئ ووسعت رحمته كل شئ وسعت نعمته إلى كل حي


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

{ يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن } يغفر ذنبا ويفرج هما ويكشف كربا ويجبر كسيرا ويغني فقيرا ويعلم جاهلا ويهدي ضالا ويرشد حيران ويغيث لهفان ويفك عانيا ويشبع جائعا ويكسو عاريا ويشفي مريضا ويعافي مبتل ويقبل تائبا ويجزي محسنا وينصر مظلوما ويقصم جبارا ويقيل عثرة ويستر عورة ويؤمن روعة ويرفع أقواما ويضع آخرين لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور : لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلفه ويمينه ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما في يمينه

ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

قلوب العباد وتواصيهم بيده وأزمة الأمور معقودة بقضائه وقدره الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه يقبض سمواته كلها بيده الكريمة والأرض باليد الأخرى ثم يهزهن ثم يقول : أنا الملك أنا الملك أنا الذي بدأت الدنيا ولم تكن شيئا وأنا الذي أعيدها كما بدأتها لا يتعاظمه ذنب أن يغفره ولا حاجة يسألها أن يعطيها لو أن أهل سمواته وأهل أرضه وأول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى قلب رجل منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئا ولو أن أول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أفجر قلب رجل منهم ما نقص ذلك من ملكه شيئا ولو أن أهل سمواته وأهل أرضه وإنسهم وجنهم وحيهم وميتهم ورطبهم ويابسهم قاموا في صعيد واحد فسألوه فأعطى كلا منهم ما سأله ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة ولو أن أشجار الأرض كلها ـ من حين وجدت إلى أن تنقضي الدنيا ـ أقلام والبحر ـ وراءه سبعة أبحر تمده من بعده ـ مداد فكتب بتلك الأقلام وذلك المداد لفنيت الأقلام ونفد المداد ولم تنقد كلمات الخالق تبارك وتعالى وكيف تفنى كلماته عز و جل جلاله وهي لا بداية لها ولا نهاية والمخلوق له بداية ونهاية فهو أحق بالفناء والنفاد ؟ وكيف يفنى المخلوق غير المخلوق ؟


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

هو الأول الذي ليس قبله شئ والآخر الذي ليس بعده شئ والظاهر الذي ليس دونه شئ والباطن الذي ليس دونه شئ تبارك وتعالى أحق من ذكر وأحق من عبد وأحق من حمد وأولى من شكر وأنصر من ابتغى وأراف من ملك وأجود من سئل وأعفى من قدر وأكرم من قصد وأعدل من انتقم حلمه بعد علمه وعفوه بعد قدرته ومغفرته عن عزته ومنعه عن حكمته وموالاته عن إحسانه ورحمته

( ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع )
( إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله وهو الكريم الواسع )
وهو الملك لا شريك له والفرد فلا ند له والغني فلا ظهير له والصمد فلا ولد له ولا صاحبة والعلي فلا شبيه له ولا سمي له كل شئ هالك إلا وجهه وكل ملك زائل إلا ملكه وكل ظل قالص إلا ظله وكل فضله منقطع إلا فضله لن يطاع إلا بإذنه ورحمته ولن يعصى إلا بعلمه وحمكته يطاع بيشكر ويعصي فيتجاوز ويغفر كل نقمه منه عدل وكل نعمة منه فضل أقرب شهيد وأدنى حفيظ حال دون النفوس وأخذ بالنواصي وسجل الآثار وكتب الآجال فالقلوب له مفضية والسر عنده علانية والغيب عنده شهادة عطاؤه كلام وعذابه كلام { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون }
فإذا أشرقت على القلب أنوار هذه الصفات اضمحل عندها كل نور ووراء هذا ما لا يخطر بالبال ولا تناله عبارة والمقصود أن الذكر ينور القلب والوجه والأعضاء وهو نور العبد في دنياه وفي البرزخ وفي القيامة وعلى حسب نور الإيمان في قلب العبد تخرج أعماله وأقواله ولها نور وبرهان حتى أن المؤمن من يكون نور أعماله إذا صعدت إلى الله تبارك وتعالى كنور الشمس وهكذا نور روحه إذا قدم بها على الله عز و جل وهكذا يكون نور وجهه في القيامة والله تعالى المستعان وعليه الاتكال

ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache



( السابعة والثلاثون )
أن الذكر رأس الأصول وطريق عامة الطائفة ومنشور الولاية : فمن فتح له فيه فقد فتح له باب الدخول على الله عز و جل فليتطهر وليدخل على ربه عز و جل يجد عنده كل ما يريد فإن وجد ربه عز و جل وجد كل شئ وإن فاته ربه عز و جل فاته كل شئ

ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache


( الثامنة والثلاثون )
في القلب خلة وفاقه لا يسدها شئ البته إلا ذكر الله عز و جل فإذا صار شعار القلب بحيث يكون هو الذاكر بطريق الأصالة واللسان تبع له فهذا هو الذكر الذي يسد الخلة ويفني الفاقه فيكون صاحبه غنيا بلا مال عزيزا بلا عشيرة مهيبا بلا سلطان فإذا كان غافلا عن ذكر الله عز و جل فهو بضد ذلك فقير مع كثرة جدته ذليل مع سلطانه حقير مع كثرة عشيرته



ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( التاسعة والثلاثون )
أن الذكر يجمع المتفرق ويفرق المجتمع ويقرب البعيد ويبعد القريب فيجمع ما تفرق على العبد من قلبه وإرادته وهمومه وعزومه والعذاب كل العذاب في تفرقتها وتشتتها عليه وانفراطها له والحياة والنعيم في اجتماع قلبه وهمه وعزمه وإرادته ويفرق ما اجتمع عليه من الهموم والغموم والأحزان والحسرات على فوت حظوظه ومطالبه ويفرق أيضا ما اجتمع عليه من ذنوبه وخطاياه وأوزاره حتى تتساقط عنه وتتلاشى وتضمحل ويفرق أيضا ما اجتمع على حربه من جند الشيطان فإن إبليس لا يزال يبعث له سرية وكلما كان أقوى طلبا لله سبحانه وتعالى وأمثل تعلقا به وإرادة له كانت السرية أكثف وأكثر وأعظم شوكة بحسب ما عند العبد من مواد الخير والإرادة ولا سبيل إلى تفريق هذا الجمع إلا بدوام الذكر

وأما تقريبه البعيد فإنه يقرب إليه الآخرة التي يبعدها منه الشيطان والأمل فلا يزال يلهج بالذكر حتى كأنه قد دخلها وحضرها فحينئذ تصغر في عينه الدنيا وتعظم في قلبه الآخرة ويبعد القريب إليه وهي الدنيا التي هي أدنى إليه من الآخرة فإن الآخرة متى قربت من قلبه بعدت منه الدنيا كلما قربت منه هذه مرحلة بعدت منه هذه مرحلة ولا سبيل إلى هذا إلا بدوام الذكر


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache


[color=blue]
( الأربعون )
أن الذكر ينبه القلب من نومه ويوقظه من سنته والقلب إذا كان نائما فاتته الأرباح والمتاجر وكان الغالب عليه الخسران فإذا استيقظ وعلم ما فاته في نومته شد المئزر وأحيا بقية عمره واستدرك ما فاته ولا تحصل يقظته إلا بالذكر فإن الغفلة نوم ثقيل



ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( الحادية والأربعون )
أن الذكر شجرة تثمر المعارف والأحوال التي شمر إليها السالكون فلا سبيل إلى نيل ثمارها إلا من شجرة الذكر وكلما عظمت تلك الشجرة ورسخ أصلها كان أعظم لثمرتها فالذكر يثمر المقامات كلها من اليقظة إلى التوحيد وهو أصل كل مقام وقاعدته التي ينبي ذلك المقام عليها كما يبني الحائط على رأسه وكما يقوم السقف على حائطه وذلك أن العبد أن لم يستيقظ لم يمكنه قطع منازل السير ولا يستيقط إلا بالذكر كما تقدم فالغفلة نوم القلب أو موته


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( الثانية والأربعون )
أن الذكر قريب من مذكوره ومذكوره معه وهذه المعية معية خاصة غير معية العلم والإحاطة العامة فهي معية بالقرب والولاية والمحبة النصرة والتوفيق كقوله تعالى : { إن الله مع الذين اتقوا } { والله مع الصابرين } { وإن الله لمع المحسنين } { لا تحزن إن الله معنا } وللذاكر من هذه المعية نصيب وافر كما في الحديث الإلهي أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه وفي أثر آخر وأهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيارتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي : إن تابوا فأنا حبيبهم فأني أحب التوابين وأحب المتطهرين وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب

ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

والمعية الحاصلة للذاكر معية لا يشبهها شئ وهي أخص من المعية الحاصلة للمحسن والمتقي وهي معية لا تدركها العبارة ولا تنالها الصفة وإنما تعلم بالذوق وهي مزلة أقدام إن لم يصحب العبد فيها تمييز بين القديم والمحدث بين الرب والعبد بين الخالق والمخلوق بين العابد والمعبود وإلا وقع في حلول يضاهي به النصارى أو اتحاد يضاهي به القائلين بوحدة الوجود وأن وجود الرب عين وجود هذه الوجودات بل ليس عندهم رب وعبد ولا خلق وحق بل الرب هو العبد والعبد هو الرب والخلق المشبه هو الحق المنزه تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا والمقصود أنه إن لم يكن مع العبد عقيدة صحيحة وإلا فإذا استولى عليه سلطان الذكر وغاب بمذكوره عن ذكره وعن نفسه ولج باب الحلول والاتحاد ولا بد


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache


( الثالثة والأربعون )
أن الذكر يعدل عتق الرقاب ونفقة الأموال والحمل على الخيل في سبيل الله عز و جل ويعدل الضرب بالسيف في سبيل الله عز و جل وقد تقدم أن [ من قال في يوم مائة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه حتى يمسي ] الحديث

وذكر أبن أبي الدنيا عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد قال : قيل لأبي الدرداء : إن رجلا أعتق مائة نسمة قال : إن مائة نسمة من مال رجل كثير وأفضل من ذلك وأفضل إيمان ملزوم بالليل والنهار أن لا يزال لسان أحدكم رطبا من ذكر الله عز و جل وقال أبن مسعود : لأن أسبح الله تعالى تسبيحات أحب إلي من أن أنفق عددهن دنانير في سبيل الله عز و جل وجلس عبد الله بن عمرو وعبد الله بن مسعود فقال عبد الله : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي من أنفق عددهن دنانير في سبيل الله عز و جل فقال عبد الله بن عمرو : لأن أجد في طريق فأقولهن أحب إلي من أحمل عددهن على الخيل في سبيل الله عز و جل وقد تقدم حديث أبي الدرداء قال : [ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الورق والذهب وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله قال اذكروا الله ] رواه ابن ماجه والترمذي وقال الحاكم : صحيح الإسناد


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( الرابعة والأربعون )
أن الذكر رأس الشكر فما شكر الله تعالى من لم يذكره وذكر البيهقي عن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام قال : رب قد أنعمت علي كثيرا فدلني على أن أشكرك كثيرا قال : اذكرني كثيرا فإذا ذكرتني كثيرا فقد شكرتني كثيرا وإذا نسيتني فقد كفرتني وقد ذكر البيهقي أيضا في شعب الإيمان عن عبد الله بن سلام قال : قال موسى عليه السلام : يا رب ما الشكر الذي ينبغي لك ؟ فأوحى الله تعالى إليه أن لا يزال لسانك رطبا من ذكري قال : يارب إني أكون على حال أجلك أن أذكرك فيها قال : وما هي ؟ قال : أكون جنبا أو على الغائط أو إذا بلت فقال : وإن كان قال : يا رب فما أقول ؟ قال تقول سبحانك وبحمدك وجنبني الأذي وسبحانك وبحمدك فقني الأذى


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

قلت قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يذكر الله تعالى على كل أحيانه ولم تستثن حالة من حالة وهذا يدل على أنه كان يذكر ربه تعالى في حال طهارته وجنابته وأما في حال التخلي فلم يكن يشاهده أحد يحكي عنه ولكن شرع لأمته من الأذكار قبل التخلي وبعده ما يدل على مزيد الأعتناء بالذكر وأنه لا يخل به عند قضاء الحاجة وبعدها وكذلك شرع للأمة من الذكر عند الجماع أن يقول أحدهم [ بسم الله اللهم جنبنا الشيطان ما رزقتنا ] وأما عند نفس قضاء الحاجة وجماع الأهل فلا ريب أنه لا يكره بالقلب لأنه لا بد لقلبه من ذكر ولا يمكنه صرف قلبه عن ذكر من هو أحب إليه فلو كلف القلب نسيانه لكان تكليفه بالمحال كما قال القائل :
( يراد من القلب نسيانكم وتأبى الطباع على الناقل )


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

فأما الذكر باللسان على هذه الحالة فليس مما شرع لنا ولا ندبنا إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا نقل عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم وقال عبد الله بن أبي الهذيل : إن الله تعالى ليحب أن يذكر في السوق ويحب أن يذكر على كل حال إلا على الخلاء

ويكفي في هذه الحال استشعار الحياء والمراقبة والنعمة عليه في هذه الحالة وهي من أجل الذكر فذكر كل حال بحسب ما يليق بها واللائق بهذه الحال التقنع بثوب الحياء من الله تعالى وإجلاله وذكر نعمته عليه وإحسانه إليه في إخراج هذا العدو المؤذي له لو بقي فيه لقتله فالنعمة في تيسير خروجه كالنعمة في التغذي به وكان علي بن أبي طالب إذا خرج من الخلاء مسح بطنه وقال : يالها نعمة لو يعلم الناس قدرها وكان بعض السلف يقول : الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى في منفعته وأذهب عني مضرته وكذلك ذكره حال الجماع ذكر هذه النعمة التي من بها عليه وهي أجل نعم الدنيا فإذا ذكر نعمة الله تعالى عليه بها هاج من قلبه هائج الشكر فالذكر رأس الشكر وقال النبي صلى الله عليه و سلم لمعاذ [ والله يا معاذ إني لأحبك فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ] فجمع بين الذكر والشكر كما جمع سبحانه وتعالى بينهما في قوله تعالى : { فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون } فالذكر والشكر جماع السعادة والفلاح


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache


( الخامسة والأربعون )
أن أكرم الخلق على الله تعالى من المتقين من لا يزال لسانه رطبا بذكره فإنه اتقاه في أمره ونهيه وجعل ذكره شعاره فالتقوى أوجبت له دخول الجنة والنجاة من النار وهذا هو الثواب والأجر والذكر يوجب له القرب من الله عز و جل والزلفى لديه وهذه هي المنزلة

وعمال الآخرة على قسمين : منهم من يعمل على الأجر والثواب ومنهم من يعمل على المنزلة والدرجة فهو ينافس غيره في الوسيلة والمنزلة عند الله تعالى ويسابق إلى القرب منه وقد ذكر الله تعالى النوعين في سورة الحديد في قول الله تعالى : { إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم } فهؤلاء أصحاب الأجور والثواب ثم قال : { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون } فهؤلاء أصحاب المنزلة والقرب ثم قال : { والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم } فقيل هذا عطف على الخبر من { الذين آمنوا بالله ورسله } أخبر عنهم بأنهم هم الصديقون وأنهم الشهداء الذين يشهدون على الأمم ثم أخبر عنهم أن لهم أجرا وهو قوله تعالى { لهم أجرهم ونورهم } فيكون قد أخبر عنهم بأربعة أمور : أنهم صديقون وشهداء فهذه هي المرتبة والمنزلة

قيل : تم الكلام عند قوله تعالى : { الصديقون } ثم ذكر بعد ذلك حال الشهداء فقال : { والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم } فيكون قد ذكر المتصدقين أهل البر والإحسان ثم المؤمنين الذين قد رسخ الإيمان في قلوبهم وامتلأوا منه فهم الصديقون وهم أهل العلم والعمل والأولون أهل البر والإحسان ولكن هؤلاء أكمل صديقية منهم : ثم ذكر الشهداء وأنه تعالى يجري عليهم رزقهم ونورهم لأنهم لما بذلوا أنفسهم لله تعالى أثابهم الله تعالى عليها أن جعلهم أحياء عنده يرزقون فيجري عليهم رزقهم ونورهم فهؤلاء السع


عدل سابقا من قبل محبة القران في السبت مارس 03, 2012 1:05 pm عدل 3 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محبة القران
مشرف



عدد المساهمات : 195
نقاط : 344
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 30/07/2011

ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني Empty
مُساهمةموضوع: رد: ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني   ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني Emptyالجمعة مارس 02, 2012 4:20 pm


[center]ولا يزال يغفل عنه حتى يبغضه فيعاديه قال الاوزاعي : قال حسان ابن عطية : ما عادى عبد ربه بشئ أشد عليه من أن يكره ذكره أو من يذكره فهذه المعاداة سببها الغفلة ولا تزال بالعبد حتى يكره ذكر الله ويكره من ذكره فحينئذ يتخذه عدوا كما اتخذه الذاكر وليا



( التاسعة والأربعون )
أنه ما استجلبت نعم الله عز و جل واستدفعت نقمة بمثل ذكر الله تعالى فالذكر جلاب للنعم دافع للنقم قال سبحانه وتعالى { إن الله يدافع عن الذين آمنوا } وفي القراءة الأخرى { إن الله يدافع } فدفعه ودفاعه عنهم بحسب قوة إيمانهم وكماله ومادة الإيمان وقوته بذكر الله تعالى فمن كان أكمل إيمانا وأكثر ذكرا كان دفع الله تعالى عنه ودفاعه أعظم ومن نقص نقص ذكرا بذكر ونسيانا بنسيان وقال سبحانه وتعالى : { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم } والذكر رأس الشكر كما تقدم والشكر جلاب النعم وموجب للمزيد قال بعض السلف رحمة الله عليهم : ما أقبح الغفلة عن ذكر من لا يغفل عن ذكرك



( الخمسون )
أن الذكر يوجب صلاة الله عز و جل وملائكته على الذاكر ومن صلى الله تعالى عليه وملائكته فقد أفلح كل الفلاح وفاز كل الفوز قال سبحانه وتعالى : { يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا * وسبحوه بكرة وأصيلا * هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما } فهذه الصلاة منه تبارك وتعالى ومن ملائكته إنما هي سبب الإخراج لهم من الظلمات إلى النور فأي خير لم يحصل لهم وأي شر لم يندفع عنهم ؟ فيا حسرة الغافلين عن ربهم ماذا حرموا من خيره وفضله وبالله التوفيق



( الحادية والخمسون )
إن من شاء أن يسكن رياض الجنة في الدنيا وغيره من حديث جابر بن عبد الله قال : [ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا أيها الناس ارتعوا في رياض الجنة قلنا : يا رسول الله وما رياض الجنة ؟ قال مجالس الذكر ثم قال اغدوا وروحوا وأذكروا فمن كان يحب أن يعلم منزلته عند الله تعالى فلينظر كيف منزلة الله تعالى عنده فإن الله تعالى ينزل العمل منه حيث أنزله من نفسه ]


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( الثانية والخمسون )
إن مجالس الذكر مجالس ملائكة فليس من مجالس الدنيا لهم مجلس إلا مجلس يذكر الله تعالى فيه كما أخرجا في الصحيحين من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ إن لله ملائكة فضلا عن كتاب الناس يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تعالى تنادوا : هلموا إلى حاجتكم قال : فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا : فيسألهم ربهم تعالى ـ وهو أعلم بهم : ما يقول عبادي ؟ قال : يقولون : يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك قال فيقول : هل رأوني ؟ قال : فيقولون : لا والله ما رأوك قال : فيقول : كيف لو رأوني ؟ قال : فيقولون : لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تحميدا وتمجيدا وأكثر لك تسبيحا قال : فيقول : ما يسألوني ؟ قال : يسألونك الجنة قال : يقول : وهل رأوها ؟ قال : يقولن : لا والله يا رب ما رأوها قال فيقول : فكيف لو أنهم رأوها ؟ قال يقولون : لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة فيقول : فمم يتعوذون ؟ قال : يقولون : من النار قال : يقول : وهل رأوها ؟ قال : يقولون : لا والله يا رب ما رأوها قال : يقول : فكيف لو رأوها ؟ قال : يقولون : لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة قال : يقول : فأشهدكم أني قد غفرت لهم فيقول ملك من الملائكة : فيهم فلان ليس منهم وإنما جاء لحاجة قال : هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم ] فهذا من بركتهم على نفوسهم وعلى جليسهم فلهم نصيب من قوله { وجعلني مباركا أين ما كنت } فهكذا المؤمن مبارك أين حل والفاجر مشؤوم أين حل فمجالس الذكر مجالس الملائكة ومجالس الغفلة مجالس الشياطين وكل مضاف إلى شكله وأشباهه امرئ يصير إلى ما يناسبه


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( الثالثة والخمسون )
إن الله عز و جل يباهي بالذاكرين ملائكته كما روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال : خرج معاوية على حلقة في المسجد فقال : ما أجلسكم ؟ قالوا : جلسنا نذكر الله تعالى قال : آلله ما أجلسكم إلا ذاك ؟ قالوا : والله ما أجلسنا إلا ذاك قال : أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه و سلم أقل عنه حديثا مني [ وإن رسول الله صلى الله عليه و سلم خرج على حلقة من أصحابه فقال : ما أجلسكم ؟ قالوا : جلسنا نذكر الله تعالى ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن علينا بك قال : آلله ما أجلسكم إلا ذاك ؟ قالوا : والله ما أجلسنا إلا ذاك قال : أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله تبارك وتعالى يباهي بكم الملائكة ] فهذه المباهاة من الرب تبارك وتعالى دليل على شرف الذكر عنده ومحبته له وأن له مزية على غيره من الأعمال


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache
( الرابعة والخمسون )
إن مدمن الذكر يدخل الجنة وهو يضحك لما ذكر ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي عن أبيه عن أبي الدرداء قال : الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله عز و جل يدخل أحدهم الجنة وهو يضحك


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache
( الخامسة والخمسون )
إن جميع الأعمال إنما شرعت إقامة لذكر الله تعالى والمقصود بها تحصيل ذكر الله تعالى قال سبحانه وتعالى : { وأقم الصلاة لذكري } قيل المصدر مضاف إلى الفاعل أي لأذكرك بها وقيل مضاف إلى المذكور أي لتذكروني بها واللام على هذا لام التعليل وقيل : هي اللام الوقتية أي أقم الصلاة عند ذكري كقوله : { أقم الصلاة لدلوك الشمس } وقوله تعالى : { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } وهذا المعنى المراد بالآية لكن تفسيرها به يجعل معناها فيه نظر لأن هذه اللام الوقتية يليها أسماء الزمان والظروف والذكر مصدر إلا أن يقدر زمان محذوف أي عند وقت ذكري وهذا محتمل

والأظهر أنها لام التعليل أي أقم الصلاة لأجل ذكري ويلزم من هذا أن تكون إقامتها عند ذكره وإذا ذكر العبد ربه فذكر الله تعالى سابق على ذكره فإنه لما ذكره ألهمه ذكره فالمعاني الثلاثة حق

وقال سبحانه وتعالى : { اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر } فقيل : المعنى أنكم في الصلاة تذكرون الله وهو من ذكره ولذكره الله تعالى إياكم أكبر من ذكركم إياه وهذا يروى عن ابن عباس وسلمان وأبي الدرداء وابن مسعود رضي الله عنهم وذكر ابن أبي الدنيا عن فضيل ابن مرزوق عن عطية { ولذكر الله أكبر } قال : وهو قوله تعالى : { فاذكروني أذكركم } فذكر الله تعالى لكم أكبر من ذكركم إياه
وقال ابن زيد وقتادة : معناه : ولذكر الله أكبر من كل شيء وقيل لسلمان : أي الأعمال أفضل ؟ أما تقرأ القرآن { ولذكر الله أكبر } ويشهد لهذا حديث أبي الدرداء المتقدم [ ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق ] الحديث

وكان شيخ الإسلام أبو العباس قدس الله روحه يقول : الصحيح أن معنى الآية أن الصلاة فيها مقصودان عظيمان وأحدهما أعظم من الآخر : فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر وهي مشتملة على ذكر الله تعالى ولما فيها من ذكر الله أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر وذكر ابن أبي الدنيا عن ابن عباس أنه سئل : أي العمل أفضل ؟ قال : ذكر الله أكبر وفي السنن عن عائشة عن النبي صلى اله عليه وسلم قال : [ إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى ] رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( السادسة والخمسون )
أن أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكرا لله عز و جل فأفضل الصوام أكثرهم ذكرا لله عز و جل في صومهم وأفضل المتصدقين أكثرهم ذكرا لله عز و جل وأفضل الحاج أكثرهم ذكرا لله عز و جل وهكذا سائر الأحوال وقد ذكر ابن أبي الدنيا حديثا مرسلا في ذلك [ أن النبي صلى الله عليه و سلم سئل : أي أهل المسجد خير ؟ قال : أكثرهم ذكرا لله عز و جل قيل : أي الجنازة خير ؟ قال : أكثرهم ذكرا لله عز و جل قيل : فأي المجاهدين خير ؟ قال : أكثرهم ذكرا لله عز و جل قيل فأي الحجاج خير ؟ قال : أكثرهم ذكرا لله عز و جل قيل : وأي العباد خير ؟ قال : أكثرهم ذكرا لله عز و جل ] قال أبو بكر : ذهب الذاكرون بالخير كله وقال عبيد بن عمير : إن أعظمكم هذا الليل أن تكابدوه وبخلتم على المال أن تنفقوه وجبنتم عن العدو أن تقاتلوه : فأكثروا من ذكر الله عز و جل


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( السابعة والخمسون )
أن إدامته تنوب عن التطوعات وتقوم مقامها سواء كانت بدنية أو مالية كحج التطوع وقد جاء ذلك صريحا في حديث أبي هريرة : [ أن فقراء المهجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم والمقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل أموالهم يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون فقال : ألا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا أحد يكون أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله قال : تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة الحديث متفق عليه فجعل الذكر عوضا لهم عما فاتهم من الحج والعمرة والجهاد وأخبر أنهم يسبقونهم بهذا الذكر فلما سمع أهل الدثور بذلك عملوا به فازدادوا ـ إلى صدقاتهم وعبادتهم بمالهم ـ التعبد بهذا الذكر فحازوا الفضيلتين فنفسهم الفقراء وأخبروا رسول الله صلى الله عليه و سلم بأنهم قد شاركوهم في ذلك وانفردوا لهم بما لا قدرة لهم عليه فقال : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ]

وفي حديث عبد الله بن بسر قال : [ جاء أعرابي فقال : يا رسول الله كثرت علي خلال الإسلام وشرائعه فأخبرني بأمر جامع يكفيني قال : عليك بذكر الله تعالى قال : ويكفيني يا رسول الله ؟ قال : نعم ويفضل عنك ] فدله الناصح صلى الله عليه و سلم على شيء يبعثه على شرائع الإسلام والحرص عليها والاستكثار منها فإنه إذا اتخذ ذكر الله شعاره أحبه وأحب ما يحب فلا شيء أحب من التقرب بشرائع الإسلام فدله صلى الله عليه و سلم على ما يتمكن به من شرائع الإسلام وتسهل به عليه وهو ذكر الله عز و جل يوضحه :


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( الثامنة والخمسون )
أن ذكر الله عز و جل من أكبر العون على طاعته فإنه يحببها إلى العبد ويسهلها عليه ويلذذها له ويجعل قرة عينه فيها ونعيمه وسروره بها بحيث لا يجد لها من الكلفة والمشقة والثقل ما يجد الغافل والتجربة شاهدة بذلك يوضحه :


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( التاسعة والخمسون )
أن ذكر الله عز و جل يسهل الصعب وييسر العسير ويخفف المشاق فما ذكر الله عز و جل على صعب إلا هان ولا على عسير إلا تيسر ولا مشقة إلا خفت ولا شدة إلا زالت ولا كربة إلا انفرجت فذكر الله تعالى هو الفرج بعد الشدة واليسر بعد العسر والفرج بعد الغم والهم يوضحه



ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache


( الستون )
أن ذكر الله عز و جل يذهب عن القلب مخاوفه كلها وله تأثير عجيب في حصول الأمن فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه أنفع من ذكر الله عز و جل إذ بحسب ذكره يجد الأمن ويزول خوفه حتى كأن المخاوف التي يجدها أمان له والغافل خائف مع أمنه حتى كأن ما هو فيه من الأمن كله مخاوف ومن له أدنى حس قد جرب هذا وهذا والله المستعان


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( الحادية والستون )
أن الذكر يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وإقدامه وكتابه أمرا عجيبا فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعه وأكثر وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمرا عظيما وقد علم النبي صلى الله عليه و سلم ابنته فاطمة وعليا رضي الله عنهما أن يسبحا كل ليلة إذا أخذوا مضاجعهما ثلاثا وثلاثين ويحمدا ثلاثا وثلاثين ويكبرا أربعا وثلاثين لما سألته الخادم وشكت إليه ما تقاسيه من الطحن والسعي والخدمة فعلمها ذلك وقال : إنه خير لكما من خادم فقيل أن من داوم على ذلك وجد قوة في يومه مغنيه عن خادم

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يذكر أثرا في هذا الباب ويقول : إن الملائكة لما أمروا بحمل العرش قالوا : يا ربنا كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك ؟ فقال : قولوا : لا حول ولا قوة إلا بالله فلما قالوا حملوه حتى رأيت ابن أبي الدنيا قد ذكر هذا الأثر بعينه عن الليث بن سعد عن معاوية بن صالح قال : حدثنا مشيختنا أنه بلغهم أن أول ما خلق الله عز و جل ـ حين كان عرشه على الماء ـ حملة العرش قالوا : ربنا لم خلقتنا ؟ قال : خلقتكم لحمل عرشي قالوا : ربنا ومن يقوى على حمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك ووقارك ؟ قال : لذلك خلقتكم فأعادوا عليه ذلك مرارا فقال لهم : قولوا : لا حول ولا قوة إلا بالله فحملوه

وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معالجة الأشغال الصعبة وتحمل المشاق والدخول على الملوك ومن يخاف وركوب الأهوال ولها أيضا تأثير في دفع الفقر كما روى ابن أبي الدنيا عن الليث بن معاوية بن صالح عن أسد بن وداعة رضي الله تعالى عنه قال : [ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من قال لا حول ولا قوة إلا بالله مائة مرة في كل يوم لم يصبه فقر أبدا ] وكان حبيب بن سلمة يستحب إذا لقي عدوا أو ناهض حصنا قال : لا حول ولا قوة إلا بالله وإنه ناهض يوما حصنا للروم فانهزم فقالها المسلمون وكبروا فانهدم الحصن


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( الثانية والستون )
أن عمال الآخرة كلهم في مضمار السباق والذاكرون هم أسبقهم في ذلك المضمار ولكن القترة والغبار يمنع من رؤية سبقهم فإذا انجلى الغبار وانكشف رآهم الناس وقد حازوا قصب السبق قال الوليد بن مسلم قال محمد بن عجلان : سمعت عمرو مولى غفرة يقول : إذا انكشف الغطاء [ للناس ] يوم القيامة عن ثواب أعمالهم لم يروا عملا أفضل ثوابا من الذكر فيتحسر عند ذلك أقوام فيقولون : ما كان شيء أيسر علينا من الذكر وقال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : سيروا سبق المفردون قال : الذين أهتروا في ذكر الله تعالى يضع عنهم أوزارهم أهتروا بالشيء وفيه أولعوا به ولزموه وجعلوه دأبهم وفي بعض ألفاظ الحديث المستهترون بذكر الله ومعناه الذين أولعوا به يقال : استهتر فلان بكذا إذا ولع به

وفيه تفسير آخر أن أهتروا في ذكر الله أي كبروا وهلك أقرانهم وهم في ذكر الله تعالى يقال أهتر الرجل فهو مهتر إذا سقط في كلامه من الكبر والهتر السقط من الكلام كأنه بقي في ذكر الله تعالى حتى خرف وأنكر عقله والهتر الباطل أيضا ورجل مستهتر إذا كان كثير الأباطيل وفي حديث ابن عمر : أعوذ بالله أن أكون من المستهترين وحقيقة اللفظ أن الاستهتار الإكثار من الشيء والولوع به حقا كان أو باطلا وغلب استعماله على المبطل حتى إذا قيل فلان مستهتر لا يفهم منه إلا الباطل وإنما إذا قيد بشيء تقيد به نحو مستهتر وقد أهتر في ذكر الله تعالى أي أولع به وأغري به ويقال : استهتر فيه وبه وتفسير هذا في الأثر الآخر : [ أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقال مجنون ]


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( الثالثة والستون )
أن الذكر سبب لتصديق الرب عز و جل عبده فإنه أخبر عن الله تعالى بأوصاف كماله ونعوت جلاله فإذا أخبر بها العبد صدقه ربه ومن صدقه الله تعالى لم يحشر مع الكاذبين ورجي له أن يحشر مع الصادقين

وروى أبو إسحاق عن الأغر أبي مسلم أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ إذا قال العبد : لا إله إلا الله والله أكبر قال : يقول الله تبارك وتعالى : صدق عبدي لا إله إلا أنا وأكبر وإذا قال : لا إله إلا الله وحده قال : صدق عبدي لا إله إلا أنا وحدي وإذا قال : لا إله إلا الله لا شريك له قال : صدق عبدي لا إله إلا أنا لا شريك لي وإذا قال : لا إله إلا الله له الملك وله الحمد قال : صدق عبدي لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد وإذا قال : لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله قال : صدق عبدي لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي ] قال أبو إسحق : ثم قال : [ في ] الآخر شيئا لم أفهمه قلت لأبي جعفر : ما قال ؟ قال : [ من رزقهن عند موته لم تمسه النار ]


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( الرابعة والستون )
أن دور الجنة تبنى بالذكر فإذا أمسك الذاكر عن الذكر أمسكت الملائكة عن البناء ذكر ابن أبي الدنيا في كتابه عن حكيم بن محمد الأخنسي قال : بلغني أن دور الجنة تبنى بالذكر فإذا أمسك عن الذكر أمسكوا عن البناء فيقال لهم : فيقولون : حتى تأتينا نفقة

وذكر ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ من قال : سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم - سبع مرات - بني له برج في الجنة ] وكما أن بناءها بالذكر فغراس بساتينها بالذكر كما تقدم في حديث النبي صلى الله عليه و سلم عن إبراهيم الخليل عليه السلام [ أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وإنها قيعان وإن غرسها : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فالذكر غراسها وبناؤها ] وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ أكثروا من غراس الجنة قالوا : يا رسول الله وما غراسها ؟ قال : ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله ]



ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( الخامسة والستون )
إن الذكر سد بين العبد وبين جهنم فإذا كانت له إلى جهنم طريق من عمل من الأعمال كان الذكر سدا في تلك الطريق فإذا كان ذكرا دائما كاملا كان سدا محكما لا منفذ فيه وإلا فبحسبه قال عبد العزيز بن أبي رواد : كان رجل بالبادية قد اتخذ مسجدا فجعل في قلبه سبعة أحجار كان إذا قضى صلاته قال : يا أحجار أشهدكم أنه لا إله إلا الله قال : فمرض الرجل فعرج بروحه قال : فرأيت في منامي أنه أمر بي إلى النار قال : فرأيت حجرا من تلك الأحجار أعرفه قد عظم فسد عني بابا من أبواب جهنم ثم أتى ‘لى الباب الآخر وإذا حجر من تلك الحجار أعرفه قد عظم فسد عني بابا من أبواب جهنم حتى سدت عني بقية الأحجار أبواب جهنم


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( السادسة والستون )
إن الملائكة تستغفر للذاكر كما تستغفر للتائب كما روى حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة عن عامر الشعبي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : أجد في كتاب الله المنزل أن العبد إذا قال : الحمد لله قالت الملائكة رب العالمين وإذا قال : الحمد لله رب العالمين قالت الملائكة : اللهم اغفر لعبدك وإذا قال : سبحان الله قالت الملائكة : اللهم اغفر لعبدك وإذا قال : لا إله إلا الله قالت الملائكة : اللهم اغفر لعبدك


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( السابعة والستون )
إن الجبال والقفار تتباهى وتستبشر بمن يذكر الله عز و جل عليها قال ابن مسعود : إن الجبل لينادي الجبل باسمه : أمر بك اليوم أحد يذكر الله عز و جل ؟ فإذا قال : نعم استبشر وقال عون بن عبد الله : إن البقاع لينادي بعضها بعضا : يا جارتاه أمر بك اليوم أحد يذكر الله ؟ فقائلة : نعم وقائلة : لا فقال الأعمش عن مجاهد : إن الجبل لينادي الجبل باسمه : يا فلان هل مر بك اليوم ذاكر لله عز و جل ؟ فمن قائل : لا ومن قائل : نعم


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( الثامنة والستون )
إن كثرة ذكر الله عز و جل أمان من النفاق فإن المنافقين قليلو الذكر لله عز و جل قال الله عز و جل في المنافقين : { ولا يذكرون الله إلا قليلا } وقال كعب : من أكثر ذكر الله عز و جل برئ من النفاق ولهذا - والله أعلم - ختم الله تعالى سورة المنافقين بقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون } فإن في ذلك تحذيرا من فتنة المنافقين الذين غفلوا عن ذكر الله عز و جل فوقعوا في النفاق وسئل بعض الصحابة رضي الله عنهم عن الخوارج : منافقون هم ؟ قال : لا المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا فهذا من علامة النفاق قلة ذكر الله عز و جل وكثرة ذكره أمان من النفاق والله عز و جل أكرم من أن يبتلي قلبا ذاكرا بالنفاق وإنما ذلك لقلوب غفلت عن ذكر الله عز و جل


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( التاسعة والستون )
إن للذكر من بين الأعمال لذة لا يشبهها شيء فلو لم يكن للعبد من ثوابه إلا اللذة الحاصلة للذاكر والنعيم الذي يحصل لقلبه لكفى به ولهذا سميت مجالس الذكر رياض الجنة قال مالك بن دينار : وما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله عز و جل فليس شيء من الأعمال أخف مؤنة منه ولا أعظم لذة ولا أكثر فرحة وابتهاجا للقلب



ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache


( السبعون )
إنه يكسو الوجه نضرة في الدنيا ونورا في الآخرة فالذاكرون أنضر الناس وجوها في الدنيا وأنورهم في الآخرة ومن المراسيل عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ من قال كل يوم مائة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير أتى الله تعالى يوم القيامة ووجهه أشد بياضا من القمر ليلة البدر ]


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( الحادية والسبعون )
إن في دوام الذكر في الطريق والبيت والحضر والسفر والبقاع تكثيرا لشهود العبد يوم القيامة فإن البقعة والدار والجبل والأرض تشهد للذاكر يوم القيامة قال تعالى : { إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها * وقال الإنسان ما لها * يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها } فروى الترمذي في جامعه من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة قال : [ قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه الآية : { يومئذ تحدث أخبارها } فقال : أتدرون ما أخبارها ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال : فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول : عمل يوم كذا كذا وكذا ] قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح والذاكر لله عز و جل في سائر البقاع مكثر شهوده ولعلهم أو أكثرهم أن يقبلوه يوم القيامة يوم قيام الأشهاد وأداء الشهادات فيفرح ويغتبط بشهادتهم


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( الثانية والسبعون )
إن في الاشتغال بالذكر اشتغالا عن الكلام الباطل من الغيبة واللغو ومدح الناس وذمهم وغير ذلك فإن الإنسان لا يسكت البتة : فإما لسان ذاكر وإما لسان لاغ ولا بد من أحدهما فهي النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل وهو القلب إن لم تسكنه محبة الله عز و جل سكنه محبة المخلوقين ولا بد وهو اللسان إن لم تشغله بالذكر شغلك باللغو وما هو عليك ولا بد فاختر لنفسك إحدى الخطتين وأنزلهها في إحدى المنزلتين



ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

( الثالثة والسبعون )
وهي التي بدأنا بذكرها وأشرنا إليها فنذكرها ههنا مبسوطة لعظيم الفائدة بها وحاجة كل أحد بل ضرورته إليها وهي أن الشياطين قد احتوشت العبد وهم أعداؤه فما ظنك برجل قد احتوشه أعداؤه المحنقون عليه غيظا وأحاطوا به وكل منهم يناله بما يقدر عليه من الشر والأذى ولا سبيل إلى تفريق جمعهم عنه إلا بذكر الله عز و جل وفي هذا الحديث العظيم الشريف القدر الذي ينبغي لكل مسلم أن يحفظه فنذكره بطوله لعموم فائدته وحاجة الخلق إليه وهو حديث سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة بن جندب قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم يوما وكنا في صفه بالمدينة فقام علينا فقال : [ إني رأيت البارحة عجبا : رأيت رجلا من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره والديه فرد ملك الموت عنه ورأيت رجلا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله عز و جل فطرد الشيطان عنه ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم ورأيت رجلا من أمتي يلهب ـ وفي رواية يلهث ـ عطشا كلما دنا من حوض منع وطرد فجاءه صيام شهر رمضان فأسقاه وأرواه ورأيت رجلا من أمتي ورأيت النبيين جلوسا حلقا حلقا كلما دنا إلى حلقة طرد فجاءه غسله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي ورأيت رجلا من أمتي بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن يساره ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة وهو متحير فيها فجاءه حجه وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور ورأيت رجلا من أمتي يتقي بيده وهج النار وشرره فجاءته صدقته فصارت سترة بينه وبين النار وظللت على رأسه ورأيت رجلا من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه فجاءته صلته لرحمه فقالت : يا معشر المسلمين إنه كان وصولا لرحمه فكلموه فكلمه المؤمنون وصافحوه وصافحهم ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الزبانية فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمة ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه وبينه وبين الله عز و جل حجاب فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله عز و جل ورأيت رجلا من أمتي قد ذهبت صحيفته من قبل شماله فجاءه خوفه من الله عز و جل فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه ورأيت رجلا من أمتي خف ميزانه فجاءه أفراطه ورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم فجاءه رجاؤه في الله عز و جل فاستنقذه من ذلك ومضى ورأيت رجلا من أمتي قد أهوى في النار فجاءته دمعته التي بكى من خشية الله فاستنقذته من ذلك ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف فجاءه حسن ظنه بالله عز و جل فسكن رعدته ومضى ورأيت رجلا من أمتي يزحف على الصراط ويحبو أحيانا فجاءته صلاته علي فأقامته على قدميه وأنقذته ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة ]
رواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب الترغيب في الخصال المنجية والترهيب من الخلال المردية وبنى كتابه عليه وجعله شرحا له

وقال : هذا حديث حسن جدا رواه عن سعيد بن المسيب عمرو بن آزر وعلي بن زيد بن جدعان وهلال أبو جبلة وكان شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يعظم شأن هذا الحديث وبلغني عنه أنه كان يقول : شواهد الصحة عليه والمقصود منه قوله صلى الله عليه و سلم [ ورأيت رجلا من أمتي احتوشته الشياطين ذكر الله عز و جل فطرد الشيطان عنه ] فهذا مطابق لحديث الحارث الأشعري الذي شرحناه في هذه الرسالة وقوله فيه : [ وأمركم بذكر الله عز و جل وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو فانطلقوا في طلبه سراعا وانطلق حتى أتى حصنا حصينا فأحرز نفسه فيه ] فكذلك الشيطان لا يحرز العباد أنفسهم منه إلا بذكر الله عز و جل وفي الترمذي عن أنس بن مالك : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ من قال ـ يعني إذا خرج من بيته ـ بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله يقال له : كفيت وهديت ووقيت وتنحى عنه الشيطان فيقول لشيطان آخر : كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي ] ؟ رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال : حديث حسن

ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

وقد تقدم قوله صلى الله عليه و سلم [ من قال في يوم مائة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كانت له حرزا من الشيطان حتى يمسي ] وذكر سفيان عن أبي الزبير عن عبد الله بن ضمرة عن كعب قال : إذا خرج الرجل من بيته فقال بسم الله قال هديت وإذا قال توكلت على الله قال الملك كفيت وإذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله قال الملك حفظت فيقول الشياطين بعضهم لبعض : ارجعوا ليس لكم عليه سبيل كبف لكم بمن كفي وهدي وحفظ ؟
وقال أبو خلاد المصري : من دخل في الإسلام دخل في حصن ومن دخل المسجد فقد دخل في حصنين ومن جلس في حلقة يذكر الله عز و جل فيها فقد دخل في بيته حصونا وقد روى الحافظ أبو موسى في كتابه من حديث أبي عمران الجوني عن أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ إذا وضع العبد جنبه على فراشه فقال : بسم الله وقرأ فاتحة الكتاب أمن من شر الجن والإنس ومن كل شيء

]
وفي صحيح البخاري عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال : ولاني رسول الله صلى الله عليه و سلم زكاة رمضان أن أحتفظ بها فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقال : دعني فأني لا أعود فذكر الحديث وقال : فقال له في الثالثة : أعلمك كلمات ينفعك الله بهن إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها إلى آخرها فإنه لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخلى سبيله فأصبح فأخبر النبي صلى الله عليه و سلم بقوله فقال : [ صدقك وهو كذوب ] وذكر الحافظ أبو موسى من حديث أبي الزبير عن جابر قال : [ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا أوى الإنسان إلى فراشه ابتدره ملك وشيطان فيقول الملك اختم بخير ويقول الشيطان وبات يكلؤه فإذا استيقظ ابتدره ملك وشيطان فيقول الملك : افتح بخير ويقول الشيطان : افتح بشر فإن قال : الحمد لله الذي أحيا نفسي بعد موتها ولم يمتها في منامها الحمد لله الذي يمسك عليها الأخرى إلى أجل مسمى الحمد لله الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده الحمد لله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه طرد الملك الشيطان وظل يكلؤه ]


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache
وفي الصحيحين من حديث سالم بن أبي الجعد عن كريب عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ أما إن أحدكم إذا أتى أهله قال : بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فيولد بينهما ولد لا يضره الشيطان أبدا ] وذكر الحافظ أبو موسى عن الحسن بن علي قال : أنا ضامن لمن قرأ هذه العشرين الآية أن يعصمه الله تعالى من كل شيطان ظالم ومن كل شيطان مريد ومن كل سبع ضار ومن كل لص عاد : آية الكرسي وثلاث آيات من الأعراف { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض } وعشرا من الصافات وثلاث آيات من الرحمن { يا معشر الجن والإنس } وخاتمة سورة الحشر { لو أنزلنا هذا } وقال محمد بن أبان : بينما رجل يصلي في المسجد إذا هو بشيء إلى جنبه فجفل منه فقال : ليس عليك مني بأس إنما جئتك في الله تعالى ائت عروة فسله : ما الذي يتعوذه ؟ يعني من إبليس الأباليس قال : قل آمنت بالله العظيم وحده وكفرت بالجبت والطاغوت واعتصمت بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم حسبي الله وكفى سمع الله لمن دعا ليس وراء الله منتهى

وقال بشر بن منصور عن وهيب ابن الورد قال : خرج رجل إلى الجبانة بعد ساعة من الليل قال : فسمعت حسا ـ أو صوتا ـ شديدا وجيء بسرير حتى وضع وجاء شيء حتى جلس عليه قال : واجتمعت إليه جنوده ثم صرخ فقال : من لي بعروة بن الزبير ؟ فلم يجبه أحد حتى تتابع ما شاء الله من الأصوات فقال واحد : انا أكفيكه قال : فتوجه نحو المدينة وأنا ناظر ثم أوشك الرجعة فقال : لا سبيل إلى عروة وقال : ويلكم وجدته يقول كلمات إذا أصبح وإذا أمسى فلا نخلص إليه معهن قال الرجل : فلما أصبحت قلت لأهلي جهزوني فأتيت المدينة فسألت عنه حتى دللت عليه فإذا بشيخ كبير فقلت : شيئا تقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت ؟ فأبى أن يخبرني فأخبرته بما رأيت وما سمعت فقال : ما أدري غير أني أقول إذا أصبحت : آمنت بالله العظيم وكفرت بالجبت والطاغوت واستمسكت بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها والله سميع عليم وإذا أصبحت قلت ثلاث مرات وإذا أمسيت قلت ثلاث مرات

وذكر أبو موسى عن مسلم البطين قال : قال جبريل للنبي صلى الله عليه و سلم : إن عفريتا من الجن يكيدك فإذا أويت إلى فراشك فقل : أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ من الأرض وما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن

وقد ثبت في الصحيح أن الشيطان يهرب من الأذان قال سهل بن أبي صالح : أرسلني أبي إلى بني حارثة ومعي غلام ـ أو صاحب ـ لنا فنادى مناد من حائط باسمه فأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئا فذكرت ذلك لأبي فقال : لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك ولكن إذا سمعت صوتا فناد بالصلاة فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ إن الشيطان إذا نودي بالصلاة ولى وله حصاص ] وفي رواية [ إذا سمع النداء ولى وله ضراط حتى لا يسمع التأذين ] الحديث

ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

وذكر الحافظ أبو موسى من حديث أبي بكر الصديق قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ استكثروا من لا إله إلا الله والاستغفار فإن الشيطان قال : قد أهلكتهم بالذنوب وأهلكوني بقول لا إله إلا الله والاستغفار فلما رأيت ذلك منهم أهلكتهم بالأهواء حتى يحسبون مهتدون فلا يستغفرون ]

وذكر أيضا عن إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال : بينا رجل مسافر إذ مر برجل نائم ورأى عنده شياطين فسمع المسافر أحد الشياطين يقول لصاحبه : اذهب فأفسد على هذا النائم قلبه فلما دنا منه رجع إلى صاحبه فقال : لقد نام على آية ما لنا إليه سبيل فذهب إلى النائم فلما دنا منه رجع قال : صدقت فذهب ثم إن المسافر أيقظه وأخبره بما رأى من الشياطين فقال : أخبرني على أي آية نمت قال : على هذه الآية { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين }


ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache

وقال أبو النضر هاشم بن القاسم : كنت أرى في داري فقيل : يا أبا النضر تحول عن جوارنا قال : فاشتد ذلك علي فكتبت إلى الكوفة إلى ابن إدريس والمحاربي وأبي أسامة فكتب إلي المحاربي : إن بئرا بالمدينة كان يقطع رشاؤها فنزل بهم ركب فشكوا ذلك إليهم فدعوا بدلو من ماء ثم تكلموا بهذا الكلام فصبوه في البئر فخرجت نار من البئر فطفئت على رأس البئر قال أبو النضر : فأخذت تورا من ماء ثم تكلمت فيه بهذا الكلام ثم تتبعت به زوايا الدار فرششته فصاحوا بي : أحرقتنا نحن نتحول عنك وهو : بسم الله أمسينا بالله الذي ليس منه شيء ممتنع وبعزة الله التي لا ترام ولا تضام وبسلطان الله المنيع نحتجب وبأسمائه الحسنى كلها عائذ من الأبالسة ومن شر شياطين الإنس والجن ومن شر معلن أو مسر ومن شر ما يخرج بالليل ويكمن بالنهار ويكمن بالليل ويخرج بالنهار ومن شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر إبليس وجنوده ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم أعوذ بالله بما استعاذ به موسى وعيسى وإبراهيم الذي وفى من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر إبليس وجنوده ومن شر ما يبغي أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم { والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتاليات ذكرا * إن إلهكم لواحد * رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق * إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب * وحفظا من كل شيطان مارد * لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب * دحورا ولهم عذاب واصب * إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب }
فهذا بعض ما يتعلق بقوله صلى الله عليه و سلم لذلك العبد [ يحرز نفسه من الشيطان بذكر الله تعالى ]



ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني 15169imgcache
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
ذكر الله و فوائده-الجزء الثاني
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» الزعتر فوائده واستخدماته
» البيض فوائده واضراره
» بسم الله ماشاء الله ، بارك الله فيكم ولكم وبارك عليكم .
» انا هقول اللقب وانت قولي الاسم الحقيقي..صعبه دي؟؟
» البيــــان الثاني والعشرون لمجلس شورى العلماء

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
صحبة الخير  :: الاقسام الدينية :: «۩۞۩ العقيدة الصحيحة ۩۞۩»-
انتقل الى: