صحبة الخير
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13

{إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً }الإسراء9

يسعدنا ان تشارك معنا

صحبة الخير

منتدي اسلامي ثقافي دعوي اجتماعي عام
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ
صدق الله العضيم

شاطر | 
 

 ترقيق القلوب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مسلم
Admin


عدد المساهمات: 9614
نقاط: 17858
السٌّمعَة: 67
تاريخ التسجيل: 11/03/2010
العمر: 45

مُساهمةموضوع: ترقيق القلوب   الأربعاء مارس 17, 2010 3:15 pm



عفانا الله واياكم من قسوة القلوب وتحجر الدموع وموت الجوارح

قال تعالى : {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَھِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}

ثم بين وجه كونها أشد قسوة
بقوله تعالى : { وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا یَتَفَجَّرُ مِنْھُ الأَنْھَارُ وَإِنَّ مِنْھَا لَمَا یَشَّقَّقُ فَیَخْرُجُ مِنْھُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْھَا لَمَا یَھْبِطُ مِنْ خَشْیَةِ اللّھِ} البقرة : ٧٤

وقال تعالى : {أَلَمْ یَأْنِ لِلَّذِینَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُھُمْ لِذِكْرِ اللَّھِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا یَكُونُوا كَالَّذِینَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَیْھِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُ وبُھُمْ} الحديد : ١٦ ،

أهمية القلوب التي في الصدور



الحمد لله علام الغيوب، مفرج الهموم والغموم ومنفس الكروب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مقلب الأبصار والقلوب، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الذي بعثه بالهدى ودين الحق فأنار به السبل والدروب، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته والتابعين، ومن سار على نهجهم المبارك، ما آذنت شمس بغروب. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: إخواني في الله: في الجسد مضغة، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنها أنها (إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله) هذه المضغة هي محل نظر الرحمن، ومنزل التوحيد والإيمان، اختارها الله تبارك وتعالى لكي تكون محط الإيمان به، الذي هو أعز وأشرف صفة يتخلق بها عبد الله في هذه الحياة، وما قامت السماوات والأرض ولا كان الحساب والسؤال والعرض إلا لأجل الإيمان. هذه المضغة: هي محل هذا الأمر العزيز عند الله عز وجل، ولو وجد الله في الجسد مضغة أعز عليه منها لجعلها مسكناً للإيمان والتوحيد. لذلك أحبتي في الله كم نظر الله عز وجل إلى هذه القلوب، فأحبها وأحب أهلها، وكم نظر إلى هذه القلوب، فآذنها بغضب منه وعذاب. ......




القلوب محل نظر الرحمن

القلوب هي محل نظر الرحمن، فكم من أمة اجتمعت على طاعة بينها كما بين السماء والأرض صلاحاً وفلاحاً بسبب القلوب، كم من أناس جمعتهم المساجد، وقاموا مع كل قائم وركعوا مع كل راكع وسجدوا مع كل ساجد، ولكن بينهم كما بين السماء والأرض؛ لأن القلوب اختلفت والأفئدة تباعدت، فأفئدة لا تعرف إلا الله، وقلوب ما سجدت إذ سجدت إلا لوجه الله، وقلوب ما انتصبت أقدامها إلا وهي ترجو رحمة الله، وقلوب ما نطقت بذكره ولا لهجت بشكره إلا وهي ترجو رحمة الله، إنها قلوب المخلصين، إنها قلوب المتقين العابدين، التي استقر فيها الخوف والخشية من إله الأولين والآخرين. القلوب وما أدراك ما القلوب! هي الميزان عند الله عز وجل، حتى ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جلد شارب الخمر الذي عصى الله ورسوله فطفق الصحابة يسبونه، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم إنه يحب الله ورسوله) إنه يحب الله ورسوله، فظاهره الفسوق، وباطنه المحبة لله عز وجل، فكم من ظواهر تبطنت جواهر لا يعلمها إلا الله عز وجل، ورب أشعث أغبر ذي طمرين، إذا رأيته احتقرته في ملبسه، واحتقرته في منظره وهيئته، تبطن قلباً وأي قلب! له عند الله مكان وجلال وهيبة، لو أقسم على الله لأبره، ولو كاده أهل السماوات والأرض لأعزه الله وما أذله. إنها القلوب التي اختارها الله عز وجل لكي تكون معادن الإيمان والإخلاص للرحمن، لذلك كم تنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من آيات، وكم حذرت في الكتاب والسنة وعلى المنابر من عظات باللغات، تقود هذه القلوب إلى الله وتدلها على رحمة الله، وتريد منها استكانة وخشوعاً وخضوعاً وذلة لله عز وجل.


القلوب هي الميزان في صلاح العمل



أحبتي في الله: القلوب هي الميزان في صلاح العمل، هي الميزان في القرب من الله عز وجل والتعلق في الله عز وجل، حتى ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في أبي بكر الصديق ، الإمام الجليل، والصحابي الكريم، أفضل الصحابة وأعلاهم عند الله عز وجل مكاناً وشأناً، فدى رسول الله بروحه وماله، رضي الله عنه وأرضاه، وجعل أعالي الفردوس مثواه، هذا الصحابي الجليل نال هذه المرتبة العظيمة بفضل الله، ثم بشيء وقر في صدره، وبإيمان ثبت في قلبه، حتى قال صلى الله عليه وسلم: (أما إنه لم يسبقكم بكثير صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في القلب) وما هو ذاك الشيء سوى اليقين والتعلق بالله رب العالمين، والاستكانة والذلة والإخلاص في العبودية لله إله الأولين والآخرين. وليس هناك قضية يحتاج المؤمن إلى علاجها وصلاحها وإصلاحها مثل قضية قلبه وفؤاده، نحتاج إلى وقفة مع هذه القلوب، نحتاج إلى وقفة مع هذه الأفئدة التي طال بعدها عن الله وعظمت غربتها عن الله، فكم من شابٍ اهتدى واستمسك بسبيل المحبة والرضا، ولكن في قلبه من القسوة ما لا يشتكى إلا إلى الله جل وعلا، كم من شباب تفطرت قلوبهم وأفئدتهم حزناً يتمنون قلباً رقيقاً، يتمنون من الله عز وجل أن يرزقهم قلوباً تذل لوجهه وترق لجلاله وعظمته، حتى إذا ذكرت بالله اطمأنت وإذا بصرت بالخير اهتدت، فهي أمنية عزيزة عند عباد الله الأخيار. صلاح القلوب ولينها ورقتها وخشوعها لله علام الغيوب، أعز أمنية وأشرف مطلوب.


ضرورة الاعتناء بترقيق القلوب



لذلك أحبتي في الله! قسوة القلب ولينه، رقة القلب وغلظه، أمر عظيم، حتى إن الله عز وجل أخبر نبيه، أن صلاح أمور الدعوة إلى الله تقوم على رقة الداعية إلى الله، قال سبحانه وتعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] ولو كان قلبك قاسياً لانفضت هذه الجموع الرقيقة الرفيقة من حولك يا رسول الله. لذلك أحبتي في الله! رقة القلوب يحتاجها أحب العباد إلى الله وهم أنبياؤه والهداة والدعاة إلى الله، وطلاب العلم، وعامة الناس وخاصتهم، وإذا لم تلن القلوب لله فلمن تلين القلوب؟ وإذا لم تذل القلوب لله فلمن تذل القلوب؟ وإذا لم ترق القلوب لكلام الله فلمن ترق القلوب؟ فبأي شيء تلين تلك القلوب؟ أحوج ما نحتاجه أن تكون هذه القلوب رقيقة، حتى إذا قيل لها: قال الله، خشعت واطمأنت وخضعت وأذعنت لله عز وجل، نحتاج إلى رقة القلوب حتى إذا وقف المؤمن تلك الوقفة التي تحتاج إلى القلب الرقيق عل الله أن يرفق به كما رفق بعباده، فيجد من الله نفحة من رحماته. ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث السنن : (أن الراحمين يرحمهم الله) وهل رحمة القلوب إلا بلينها؟!! بل ثبت في الحديث الصحيح عن المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم: (أنه مر عليه الأقرع بن حابس وقد وضع صبيه في حجره يقبله صلوات الله عليه وسلامه من حنان قلبه وفؤاده ولينه، فقال له: إن لي عشرة من الولد، ما قبلت واحداً منهم، فقال صلى الله عليه وسلم: أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك) أي أيُ شيء أملكه ما دام الله قد نزع الرحمة من قلبك. فلين القلوب يحتاجه الوالد مع ولده، وتحتاجه الوالدة مع ولدها، أمنية عظيمة وغاية سامية كريمة، لا تصلح الأحوال إلا بها بإذن الله عز وجل، ومتى وجدت الأب ذا حنانٍ ورحمة بابنه وبابنته، وجدت ذلك البيت ترفل فيه السعادة، ومتى وجدته حليماً رحيماً بأهله وزوجه رحمه الله، فجعل بيته تضفي عليه السعادة خيراً كثيراً. وكذلك إذا وجدت تلك الأم المسلمة المؤمنة الحقة تضفي على أبنائها حنان القلب النابع من رقة الفؤاد وجدت صلاح ذلك البيت وفلاحه، ومن هذا كله نعلم أن رقة القلوب وذلتها لله، نحتاجها في جميع شئوننا وفي جميع أحوالنا، حتى مع أهلينا وبناتنا. يحتاجها الداعية إلى الله في دعوته، حينما يكون رحيماً بالناس رفيقاً بهم كما كان المصطفى صلى الله عليه وسلم، يحتاجها طالب العلم، حتى إذا جلس في مجالس العلماء، جلس بقلب يجل كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهل توجد حلاوة طلب العلم إلا بعد ذلة القلوب ورقتها؟ ومتى وجدت طالب العلم يجلس في مجالس العلم، بقلب خاشع رقيق ذليل لله عز وجل، وجدت فيه سكينة ووقاراً وبهاء. ولذلك قال الحسن البصري رحمه الله: [كان الرجل إذا طلب العلم ظهر ذلك في وجهه وفي يده وفي لسانه وفي تخشعه] أي: أصبح خاشعاً لله عز وجل. إذاً: لا بد من رقة القلوب، ولذلك إذا عزبت هذه الخصلة الكريمة وغابت هذه الصفة التي هي صفة رحيمة عن الإنسان وأصبح قلبه بخلاف ذلك تدمرت حياته، وتنغص عيشه، وتكدر خاطره، وكان من العناء والبلاء ما لا يعرفه إلا رب الأرض والسماء، فما الذي أفسد الدعوة على الداعية إلا غلظه على العباد، وما الذي أفسد الزوجة على زوجها والزوج على زوجته إلا القلوب القاسية التي لا تراقب الله في المعاشرة الزوجية. وكذلك ما أفسد الأبناء وجعل أبناء المسلمين يعيشون ليلهم في حيرة وقلق، حتى ضاع الأبناء وضاعت البنات عن الحنان والرقة والرحمة الأبوية، إلا فوات هذه الخصلة الكريمة، خصلة الكرام وأهل الإسلام: رقة القلوب وإنابتها إلى الله عز وجل. أحبتي في الله: إذا غابت عظم البلاء واشتد العناء، وشهد الله عز وجل من فوق السماء، أنها سبب في البلاء وأي البلاء، بل إنه توعد من فقد هذه الخصلة بوعيد شديد، وعذاب من الله أكيد، فقال سبحانه وتعالى وهو الحميد المجيد: فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الزمر:22] ويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله، ويل لقلوب تسمع القرآن ولا تخشع عند سماعه، ويل لعيون ذكرت بكلام الله فلم تسح بالبكاء من خشيته، وويل لأسماء ذكرت بوعد الله ووعيده فلم تصغ لكلامه، ويل في الدنيا وويل في الآخرة. ولذلك تجد أصحاب القلوب القاسية في عذاب من الله وعناء، ولو كان الواحد منهم على الفراش الوثير وفي العز والنعمة والخير والجاه والغنى، لكنه يحس أنه في قلق نفسي واضطراب شخصي، لا يقر قراره ولا ترتاح نفسه بسبب هذه الخصلة التي لا يحبها الله. إذا قست القلوب وعد الله عز وجل أهلها بنكد العيش ونغصه وعذابه. لذلك -أحبتي في الله- صفات القلب الحبيبة إلى الله، من أجلها ذلتها ورقتها وخشوعها لله، ولذلك ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل الله وضرع إلى الله أن يعيذه من قلب لا يخشع لوجهه، فقال: (اللهم إني أعوذ بك من دعاء لا يسمع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعاء لا يسمع). ......




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sohptelker.hooxs.com
مسلم
Admin


عدد المساهمات: 9614
نقاط: 17858
السٌّمعَة: 67
تاريخ التسجيل: 11/03/2010
العمر: 45

مُساهمةموضوع: رد: ترقيق القلوب   الأربعاء مارس 17, 2010 3:19 pm



الأسباب التي تعين على رقة القلوب



متى بلي الإنسان بقسوة القلب، تنغص عيشه بوعد من الله عز وجل. لذلك -أحبتي في الله- يحتاج المؤمن إلى من يذكره بما يعين على رقة قلبه وفؤاده وما لانت القلوب بشيء مثل سؤال الله ملك القلوب أن يقلبها على الرحمة والرقة، فلذلك كلنا يسأل: كيف السبيل إلى رقة القلوب؟ وكيف السبيل حتى تكون القلوب رقيقة حليمة رفيقة، قريبة من الله، ترجو رحمة الله، وتخشع عند كلام الله، علها تفوز برضوان الله. ......


السبب الأول: الدعاء



إن أعظم الأسباب التي تعين على رقة القلوب وذلتها لله: الدعاء، وما شرح الله صدر عبد بالدعاء إلا أعطاه مسألته، حتى قال بعض السلف: إني لأعرف متى يجيب الله دعائي، إذا شرح صدري لدعائه. فالله من كرمه لا يشرح صدرك لدعائه إلا وهو متفضل عليك، فليكن أول ما يراه الله من العبد الذي يريد رقة قلبه وفؤاده أن يرفع الكف الصادقة إلى الله، ويسأله أن يهبه قلباً رقيقاً، فكم من أقوام كانت قلوبهم أقسى من الحجارة، ولكن ضرعوا إلى الله عز وجل فلانت، وما أعظم لينها! ولقد كان الرجل في الجاهلية الجهلاء من أعتى الناس وأشدهم فسقاً وفجوراً واعتداءً لحدود الله، ولكن ما إن رحمه الله برحمته ونفحه بفضله إلا وأصبح من أرق الناس قلوباً. عمر بن الخطاب ، كان رضي الله عنه في الجاهلية شديداً على الإسلام قوياً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وجاءت لحظة واحدة قلب الله قلبه، فأصبح من أرق الناس قلوباً، وكان رضي الله عنه إذا قام في الصف يتلو آيات الله خنقته العبرة حتى يُسمع نشيجه من ثالث الصف أو آخر القوم، وما ذلك إلا بفضل الله. فأول ما يفعله الإنسان الذي يريد أن يكرمه الله برقة قلبه وفؤاده أن يدعو الله في صباحه ومسائه، وفي مظان الإجابة أن يرقق قلبه لذكره ويهبه القلب الرقيق الذي تستدر به رحمات الله، وتنال به الدرجات من عند الله عز وجل، قل: اللهم إني أسألك قلباً رقيقاً، واستعذ بالله عز وجل من قلب لا يخشع.


السبب الثاني: تذكر منازل الآخرة

أما السبب الثاني الذي هو من الأسباب التي تعين على خشوع القلوب وذلتها لله تبارك وتعالى: أن يتذكر الإنسان منازلاً لا بد من نزولها، ومواطن لا بد من حلولها، أن يصير الإنسان من هذه الدنيا إلى دار قريبة ومنازل عجيبة، يعيش أشجانها وأحزانها، وبين أهلها في أتراحها وأفراحها، أن يزور المقابر وأن ينظر إلى أهل تلك المقابر بعين متفكرة متأملة، في تلك القبور المتدانية، والمنازل المتقاربة، والتي بينها من النعيم والجحيم ما لا يعلمه إلا الله. كم من قبور تقاربت بينها وبين الرحمة والعذاب ما لا يعلمه إلا الله، قبور في أعالي النعيم، وقبور في دركاتٍ من الجحيم ينادون ولا مناد، ويستغيثون ولا مغيث، ويستجيرون ولا مجير، فينظر في أحوالهم ويتذكر كيف لو صار إليهم، وزف بين العباد إلى منازلهم، كم من قبور في الظلمات، وفي الكهوف ملئت أنواراً ورحمات، وكم من قبور حولها الناس يضحكون ويلعبون، ويسرحون ويمرحون، فيها العويل والصراخ، وفيها الفزع الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل. ما نظر المؤمن إلى هذه المنازل ولا تفكر في هذه المواطن إلا جاءه قلبه خاضعاً وفؤاده من خشية الله ذليلاً خاضعاً والعين من خشية الله دامعاً. أحبتي في الله: ما دخل ذكر الآخرة إلى قلب إلا لان لله عز وجل، فالمؤمن الصادق لزيارة المقابر حظ عنده، يزورها ما استطاع زيارتها، ويقف عندها وكأنه من أهلها، ينظر إلى الإخوان والأخوات، ينظر إلى الأحباب، والأصحاب والخلان، والآباء والأجداد، والأبناء والأحفاد، وينظر إلى ما هم فيه، ويتفكر كيف هم فيه، عله أن يكسر الله عز وجل قلبه من خشيته، فوالله ما استقر ذكر الآخرة في قلبٍ إلا أناب إلى الله، وما الذي أقض مضاجع الصالحين فكانوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17-18] غير ذكر الآخرة، تذكروا منازلها، وعاشوا بين أهلها، فكان حظهم من الليل قليلاً، تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً [السجدة:16] تتجافى جنوبهم عن المضاجع؛ لعلمها أنها ستضطجع في تلك المضاجع. لذلك أحبتي في الله: فإن كان القلب قد وجد الرقة في هذا المشهد وتذكر هذه المنازل وعاش بين أهلها في السرور وفي الشرور، عندها يجد الإنسان رحمة الله بلين قلبه، فإن أصر القلب على العناد واستمر في القسوة عن ذكر رب العباد فخذه إلى منزلة من هذه المنازل، وذكره بصيحة تفزع فيها تلك القبور، وتبتدأ عندها معالم الهول والنشور، ذكره بتراب ينفض عن الأجساد، وبخروجهم من بين تلك الأحجار والأشجار والأعواد فرادى إلى الله، مرتهنين بالأقوال والأعمال، عله أن يرق من خشية الله ويخضع وينيب إلى الله، فإن أبى وأصر! فذكره بمقام طويل وشمس تدنو على الرءوس، ويذكر الجسد بحر شمس الدنيا علَّه أن يحس ببعض لهيبها، لعله أن يتذكر طول القيام بين يدي الملك العلام، فعندها يأبى ذلك القلب إلا خضوعاً وذلةً لله عز وجل، فإن أبى فذكره بالصراط وزلته، والحساب وشدته، والسؤال ومؤنته، وذكره بذنوب خلت في أزمنة مضت، لا يدري المؤمن هل كفي حسابها، وهل ستر عقابها. ذكره بالخطايا والذنوب والرزايا، عله أن يعي مكانه عند الله، ويعلم أن المقام بين يدي الله شديد عليه، فيذل لله عز وجل وينطرح بين يديه، ذكره هذه المشاهد، وأقم له هذه المواقف، عله أن ينكسر من خشية الله، ووالله ما استقر خوف الآخرة في قلب عبدٍ إلا أناب إلى الله عز وجل. وما أخبار السلف وأخبار من مضى من الصالحين هذه الأخبار العجيبة ما كانت ولن تكون بشيء أعظم من توفيق الله عز وجل ثم ذكر الآخرة.


السبب الثالث: تلاوة القرآن مع التدبر




وأما السبب الثالث الذي يعين على رقة القلوب: فـ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1]، كتاب لو نزلت آياته على الجبال لاندكت ولو نزل على الرواسي من خشية الله لانهدت، عرضت أماناته وعباداته ومعاملاته على السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72]. هذا الكتاب الذي سمعته الجن فقالت: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً [الجن:1-2]. هذا الكتاب ما إن تصغي أذن إليه وتستحضر مجلساً يذكر به العبد بآياته وعظاته إلا وأثر في الفؤاد، ولذلك أخبر الله عز وجل عن حال من تدبر هذا القرآن وتفكر به، وأنه يجني ثماره الخيرة في دينه ودنياه وآخرته، فقال تقدست أسماؤه: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ [المائدة:83] ما استطاع الواحد منهم أن يتمالك دمع عينه؛ بسبب ما وقر في قلبه من كلام الله عز وجل، كتاب الله حبله المتين، الذي ما تمسك به أحد إلا نجا، جعله الله شفاء لما في الصدور، وموعظة من الله عز وجل الجليل الغفور. هذا الكتاب إذا أردت أن يخشع قلبك ويلين لله عز وجل فأكثر من تلاوته، وإذا تلوت القرآن فاعمل ما يأتي: أولاً: تتلوه وأنت ترجو رحمة الله عز وجل، إذا وضعت القرآن في حجرك فضعه وليس في قلبك إلا الله، ضعه وأنت تحس أن الله يخاطبك، ضعه وأنت تحس بأنها رسالة جاءتك من ملك الملوك، حتى إذا وضعته بذلك القلب المخلص الذي لا يريد إلا رحمة الله، لو أن الخلق أمامك فإنك تتمنى لو قرأت القرآن بينك وبين الله من إخلاصك وعمارة قلبك بالإخلاص. فأول خصلة لمن يريد أن يخشع قلبه لذكر الله أن يكون مخلصاً في تلاوته. ضع القرآن وأنت تتفكر وتستشعر عظمة هذه الرسالة وعظمة من أُرسل بها وعظمة من أرسله، حتى إذا جلست بهذا الشعور وقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أحسست أنك بحاجة أن يعصمك الله عز وجل من عدوك اللدود، فجاءك من الله التيسير والفتح، فأصبحت في حرز وحصن من الله، تستفتح الآية الأولى وأنت تتدبرها وتتفكر فيها، وتستشعر معانيها، والله إن الآية من كتاب الله، إذا تليت بقلب يستشعر معناها ويحس ما فيها، والله قد تبقى مع الإنسان سنين عديدة، آية واحدة من كتاب الله: أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ [العاديات:9-11]. كل الآخرة يجمعها لك في آية واحدة، وكل الدنيا خيراً وشراً نفعاً وضراً في آية واحدة، فإذا قرأتها وأنت تستشعر عظمة هذا الكتاب وتتفكر في هذه الآية التي تتلوها، فإنه في بعض الأحيان إذا كان الإنسان يستشعر لذة هذا القرآن وحلاوة آياته لا يستطيع أن يجاوز آية واحدة. والله لو أن القلوب صادقة في تلاوة كتاب الله، لما استطاعت أن تجاوز آية من الوعد والوعيد من كلام الله عز وجل، ولذلك كان بعض السلف يستفتح قيام الليل بآية لا يزال يرددها والبكاء يغلبه. عمر بن الخطاب رضي الله عنه استفتح قيام الليل فقال: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ [النبأ:1] فما استطاع أن يكملها وهو يرددها من البكاء ويغلبه النشيج عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ [النبأ:1] عن أي شيء يتساءلون، فسمت نفسه إلى عالم غير العالم الذي هو فيه عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ [النبأ:2-5] من يقرأ هذه الآيات؟ كيف يكون أثرها في قلبه؟ الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة:1-11]. أبان لك عاقبة الجماد والحي؟ الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة:1-4] هذا هو الشخص المطلوب يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ [القارعة:4] الأمة المحشورة والمنشورة، أول قضية هي قضية العبد المسئول. ثم كأن سائلاً يسأل: عرفنا مصير الخليقة فما مصير هذا الجماد؟ قال: وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ [القارعة:5] ولذلك ما نظرت عين إلى الجبال فنظرت طولها وارتفاعها في عنان السماء إلا احتقرتها عند عظمة الله عز وجل، حينما تتذكر هذه الآية: وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ [القارعة:5] كالعهن المنفوش أي: كالصوف المنفوخ الذي لا يستقر حاله. هذه الجبال الراسيات حينما يتذكر الإنسان في هذه الآيات اليسيرة كيف لا يرق قلبه، وكيف لا يخشع فؤاده، والله إن قلباً يقرؤها ولا يجد أثرها إنه من القسوة بمكان، إذا قرأها الإنسان ولم يجد لها أثراً في فؤاده فليبك والله على قلبه وفؤاده.


الاستكثار من الصالحات وذكر رب البريات

وأما السبب الرابع الذي يعين على رقة القلوب وقربها من الله عز وجل: الاستكثار من الصالحات وذكر رب البريات، فوالله ما أدمن عبد طاعة الله إلا شرح الله صدره لطاعته، وكم من أناس اهتدوا وابتدءوا طريق الالتزام وهم في قسوة وبعد عن الله، وما زالوا يتدرجون في الصالحات حتى أصبح الواحد منهم إذا تلا الآية لا يتمالك عينه، ولذلك يستكثر الإنسان من خصال الخير، فإن الاستكثار منها تنشرح به الصدور، وتطمئن بها للحليم الشكور. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا وإياكم رقة القلوب وخشوعها، وإنابتها لوجهه وخضوعها. اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعاء لا يسمع، ومن علم لا ينفع، نعوذ بك من هؤلاء الأربع. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:180-182].





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sohptelker.hooxs.com
رحمة
مشرف


عدد المساهمات: 703
نقاط: 832
السٌّمعَة: 2
تاريخ التسجيل: 07/05/2011

مُساهمةموضوع: رد: ترقيق القلوب   الثلاثاء أغسطس 02, 2011 10:33 pm




قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دل على خير فله
مثل أجر فاعله"

[ رواه مسلم ]











قال النووي (رحمه الله): "دل بالقول، واللسان، والإشارة،








والكتابة"







((رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ))

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

ترقيق القلوب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
صحبة الخير  :: الاقسام الدينية :: «۩۞۩ مقالات اسلامية ۩۞۩»-